فأكرمك زرني. أكرمك بالجزم، ولهذا يعطف المجزوم عَلَى المنصوب بعد الفاء نحو(فَأَصَّدَّقَ
وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)وحاصل كلامه أن ظلت مَعْطُوف عَلَى الْمُضَارِع الذي لو استعمل ببدله
الْمَاضي لكان صحيحًا كما أن أكن مَعْطُوف عَلَى أصدق عَلَى أنه لو قيل أصدق مجزومًا
لكان صحيحًا، وهذا مراده من التشبيه لا الجزم والنصب كما هُوَ الْمُتَبَادَر منه، وإلى ذلك أشار
بقوله لأنه لو قيل أنزلنا بدله. أي بدل ننزل لصح فيصح عطف الْمَاضي عليه، وإنما تمحل في
هذا العطف مع أن عطف الْمَاضي عَلَى الْمُضَارِع صحيح لأن ترتب الْمَاضي بالفاء التعقيبية
أو السببية غير معقول بل المعقول عكسه فلا بد من تأويل أحد الفعلين، فأَشَارَ إلَى تأويل
ننزل بـ أنزلنا فالتقدير إن نشأ أنزلنا عَلَى أن الْمُرَاد بالْمَاضي معناه لا المستقبل كقَوْله تَعَالَى:
(إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) ويؤيده قراءة: لو شئنا لأنْزلنا، وَأَيْضًا يؤيده
أن الواقع في نظائرها كلمة (أو) مثل قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى)
(وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) وغيرهما والْمَشْهُور في مثله إيراد كان
ونحوه ؛ إذ كلمة أن للاسْتقْبَال فلو أُريد الْمَاضي أقحم كلمة كان كقَوْله تَعَالَى:(إِنْ كُنْتُ
قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ)الآية. فالأولى تقدير كلمة كان. والْمَعْنَى إن كنا نشأ
ولو أول ظلت بالْمُضَارِع، وقد قرئ به كما في الكَشَّاف لاندفع الإشكال أَيْضًا لكن
الْمُنَاسب هنا الْمَعْنَى النفي فلذا اختار في النظم الْمَعْنَى المضي فأول الْمُضَارِع
بالْمَاضي. وقيل إن نظر إلَى زمان الحكم كان الْجَوَاب مستقبلًا فيتناول ظلت بتظل كما
قرئ به وإن نظر إلَى زمان الحكاية يأول ننزل بـ أنزلنا كما قرئ به وهو الذي اختاره
الشيخان انتهى. ولو قيل إنه وإن كان الْجَوَاب مستقبلًا بالنظر إلَى زمان الحكم لكنه
ماض بالنظر إلَى زمان الحكاية واخْتيرَ زمان الحكاية للإشَارَة إلَى أن نزول تلك الآيات
لقوة سلطانه ترتب ما ذكر عليه كأنه كان واقعًا قبلها لم يبعد .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ(5)
قوله: (موعظة أو طائفة من الْقُرْآن) موعظة أسقط من للإشَارَة إلَى أنها صلة إن أريد
بالذكر الموعظة. قوله أو طائفة من الْقُرْآن تنبيه عَلَى أن (مِنْ) تبعيضية إن أريد به الْقُرْآن قدم
الأول ؛ إذ سبب الإعراض الوعظ لا إتيان الْقُرْآن بدون وعظ فهو الْمُرَاد به أَيْضًا والتقابل
بعموم الأول إلَى السنة أَيْضًا لأنها من الرحمن أَيْضًا .
قوله: (بوحبه إلَى نبيه) بوحيه متعلق بـ يأتيهم فلو ذكره قبل قوله من الرحمن لكان
أبعد من الاشتباه وإيثار الرحمن هنا أوقع لأن فيه إشَارَة إلَى أنه رحمة جسيمة وقد كانوا
محرومين عن الانتفاع بها لانهماكهم عَلَى التقليد وإصرارهم عَلَى الكفر العنيد .
قوله: (مجدد إنزاله لتكرير التذكير وتنويع التقرير) مجدد إنزاله أول به لأن إنزال كل
ذكر محدث. قوله لتكرير التذكير علة للتجديد ؛ إذ تكريره مما يتأثر به الْقُلُوب ويندفع به