اسْتئْنَافه أي جعله جملة مُسْتَأْنَفَة أي اسْتئْنَافًا معانيًا كأنه قيل ما صنع اللَّه لهم في مقابلة
نسيانهم؟ فأجيب بذلك أو اسْتئْنَافًا نحويًا أي جملة ابتدائية مسوقة لبيان جزائهم في مقابلة
عصيانهم وعلى التقديرين يقتضي الاهتمام به حيث لم يعطف عَلَى ما قبله. قوله وبناء الْفعْل
أي جعله خبرًا عن اسم أن وهو يفيد تقوية الحكم والقصر أيضًا في بعض المواضع فيفيد
التشديد في الانتقام والوعيد والتأكيد بأن مع أنه لا إنكار فيه ولا تردد فيه للمُبَالَغَة في تحققه
يفيد زيادة التشديد .
قوله:(كرر الأمر للتأكيد ولما نيط به من التصريح بمفعوله وتعليله بأفعالهم السيئة
من التكذيب والمعاصي كما علله بتركهم تدبر أمر العاقبة والتفكر فيها)كرر الأمر وهو
قوله: ذوقوا الْمُرَاد بالأمر هنا مجاز للإهانة والتحقير مع الاسْتعَارَة التهكمية من جهة المادة.
قوله: ولما نيط به أي ربط به من التصريح بمَفْعُوله وهو عذاب الخلد وهو مَفْعُول
(فذوقوا) أَيْضًا لكنه حذف لكن الأولى مَفْعُوله الأول لفظة هذا لكنه غير
صريح. قوله وتعليله بأفعالهم الخ. حمل الباء في (بما كنتم) عَلَى السببية
والتعليل عَلَى أنها سبب جعلي لا موجب، ولم يرض به ابن هشام في المغني في مثله بل
حملها عَلَى البدلية وقد أشار إليه المص في بعض المواضع ولما تضمن هذا الفوائد
الْمَذْكُورة دون الأول كان مغايرًا للأول فعطف عليه فلا إشكال بأن العطف ينافي التَّأْكيد
لأن هذا إنما هُوَ في التَّأْكيد المحض. قوله من التَّكْذيب الخ. جعل العمل عامًا لعمل القلب
والجوارح وفيه تنبيه عَلَى أن المراد (بما نسيتم) التَّكْذيب وسائر المعاصي
كما أشرنا إليه .
قوله: (دلالة عَلَى أن كلا منهما يقتضي ذلك) الاقتضاء بحسب الوعيد وإلا فلا
اقتضاء ولذا أنكر ألن هشام سببيته بناء عَلَى أن الْمُرَاد السبب الموجب، وجوابه ما مَرَّ أن
إيجابه بناء عَلَى العدل والوعيد فلا إشكال أصلًا .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ
لا يَسْتَكْبِرُونَ (15)
قوله: (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا) الخ. وعظوا بها. [خَرُّوا سُجَّدًا] . خوفًا من عذاب الله) إنما يؤمن الخ.
اسْتئْنَاف مسوق لبيان [حصر] الإيمان في الْمَوْصُوفين بهذه الأوصاف ويتضمن هذا
الحصر بيان أن هَؤُلَاء المجرمين [لَوْ رُدُّوا] إلَى الدُّنْيَا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ لعدم سبب
الإيمان، وفيه تقرير عدم استحقاقهم لإيتاء الهدى. والْمَعْنَى ما يؤمن بآياتنا الدَّالَّة عَلَى
التوحيد وسائر المعتقدات إلا (الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا) الآية. الْمُرَاد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
لا ريب فيه من رب الْعَالَمينَ) (أم يقولون افتراه بل هُوَ الْحَقُّ منْ رَبّكَ)
يدل عليه قوله (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) إلَى
قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) .