الوجه الثاني ويحتمل التعميم إلَى الوجه الأول عن الْأَعْمَال أي عن الْأَعْمَال الظَّاهرَة سواء
[كان] حصولها باليد أو لا كما أشار إليه بقوله لأن أكثرها بمباشرتها [فتكون] اليد مَجَازًا
مرسلًا من قبيل ذكر السبب وإرادة المسبب وهذا بناء عَلَى أن السببية في النوع كان في
العلاقة، كَمَا صَرَّحَ به صاحب التوضيح في قوله: رعينا الغيث. أي النبات وإن كان حصوله
بغير المطر كماء الأنهار والآبار .
قوله: (وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى [مباديها] ) وبالأبصار أي عبر بالأبصار عن
المعارف أي عن العلوم سواء كانت اعتقادية أو عملية. قوله لأنها أقوى [مباديها] بيان علاقة
الْمَجَاز وأنه أَيْضًا مَجَاز مُرْسَل بعلاقة السببية لكن قدم الأول للتنبيه عَلَى أن الْحكْمَة الأصلية
والعلم الحقيقي هُوَ العمل بهما صرح به الزَّمَخْشَريّ في قَوْله تَعَالَى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ
الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ)الآية.
قوله: (وفيه تعريض بالبطلة الجهال أنهم كالزمنى والعماة) .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ(46)
(جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب فيها) بالبطلة أي عن العمل. الجهلة
أي عن المعارف الحقة الواجب كالزمنى في عدم القدرة عَلَى الْأَعْمَال بأسرها باليد. قوله
والعماة جمع الأعمى بمعنى أعمى بصرًا لكونه أعمى قلبًا، والتعريض عَلَى كلا المَعْنَيَيْن .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفيه تعريض بالبطلة. أي بالبطلة الذين لهم أيد ولا يصرفون قونها إلَى طاعة الله وأبصار
لا ينظرون بها نظر اعتبار أنهم كالزمنى والعماة الزمنى بفتح الزاء جمع زمن والعماة جمع عمى.
وفي الكَشَّاف: [لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدى غلبت، فقيل في كل عمل هذا مما عملت
أيديهم، وإن كان عملا لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدى. أو كان العمال جذما لا أيدي لهم، وعلى ذلك
ورد قوله عز وعلا (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ) يريد: أولى الأعمال والفكر، كأن الذين لا
يعملون أعمال الآخرة، ولا يجاهدون في الله، ولا يفكرون أفكار ذوى الديانات ولا يستبصرون في
حكم الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والمسلوبى العقول الذين لا استبصار بهم. وفيه
تعريض بكل من لم يكن من عمال الله، ولا من المستبصرين في دين الله، وتوبيخ على تركهم
المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما. وقرئ: أولى الأيادى، على جمع الجمع. وفي قراءة ابن
مسعود: أولى الأيد، على طرح الياء والاكتفاء بالكسرة. قال ابن جني وهي قراءة الحسن والثقفي
والأعمش. ويحتمل أن يراد بها الأيدي عَلَى قراءة العامة فحذف الياء تخفيفًا كقَوْله تَعَالَى:(يوم
يدع الداع)فيراد الْقُوَّة في طاعة الله والعمل بما يرضاه كقراءته بالأبصار أي النصر بما
يحظى عند الله فالأيدي عَلَى هذا جمع يدي وهي الْقُوَّة كقولك: له يد في الطاعة وقدم في المتابعة.
فالمعنيان واحد وهو البصيرة والنهضة في طاعة الله تَعَالَى، ويحتمل أن يراد بها النعمة والتأييد. هذا
خلاصة كلام ابن جني. وقال العلامة في الكَشَّاف: وتفسيره بالأيد من التأييد قلق يريد به قول الزجاج
فإنه قال من قرأ أولي الأيد بغير ياء فمعناه من التأييد والتقوية عَلَى الشيء، وإنَّمَا كان قلقًا لأنه لا
يلائم الأبصار فإن الأبصار جمع بصر وهي الجارحة، والْمُرَاد هَاهُنَا البصيرة فإذا لم يجعل الأيدي
جمع اليد الْمُرَاد بها العمل لم يتطابقا لفظًا ولا معنى لأن التأييد من أفعال الله وهو لطفه وتوفيقه .