قوله: (عَلَى البطر والاشتغال بالنعمة) أي الكبر المذموم أَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد بـ فرحوا
وأعجبوا البطر كما أشرنا إليه (عن المنعم) أي معرضين عنه (وعن القيام بحقه) قوله
والاشتغال بالنعمة الخ. يؤيد ظاهره يكون الْمُرَاد الابتلاء لا المكر والاستدراج أخذناهم نزل
بهم عذابنا فالأخذ مجاز لهذا الْمَعْنَى، ولأن الأخذ يشعر بالشدة لا سيما بنون العظمة عبر به
عنه بغتة أخذًا فجأة من غير مقدمة ليكون أثقل عليهم وقعًا وأشد تأثيرًا (فإذا هم مبلسون)
فاجأ عقيبه الإبلاس أي التحسر واليأس من رحمة الله، وله معنى آخر وهو
الوجم أي الحزن التام في الكَشَّاف واجمون .
قوله: (متحسرون آيسون) متحسرون لازم معناه وهو السيون فلو قدم لكان أولى وإذا
هي الفجائية. والأصح أنها ظرف إما ظرف زمان وهو مذهب الزجاج، أو ظرف مكان وهو
مذهب المبرد والعامل معنى المفاجأة، فالْمَعْنَى أخذناهم بغتة ففاجئوا زمان إبلاسهم أو
مكان إبلاسهم عَلَى أن الْمَفْعُول به مَحْذُوف، والفاء للسببية فإن مفاجأتهم إبلاسهم مسببية
عن الأخذ أو للعطف بحسب الْمَعْنَى أي أخذوا بغتة ففاجئوا إبلاسهم .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ(45)
قوله: (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ) القطع هنا مع ملاحظة ما بعده مُسْتَعَار للاستئصال أشار
إليه في سورة الأعراف .
قوله: (أي آخرهم) لأن الدابر الذي بمعنى التابع يلزمه الآخرية .
قوله: (بحَيْثُ لم يبق) إذ قطع الآخر من حيث كونه نهاية للشيء يسيلزم إعدام الشيء
بالمرة وهذا اللازم هُوَ الْمُرَاد في مثل هذا كناية .
قوله: (منهم أحد من دبره دبرًا ودبورًا [إذا تبعه] ) فكأنه في دبره أي في خلفه فالدابر ما
كان بعد الآخر ويطلق عَلَى الآخر مَجَازًا مُتَعَارَفًا وهو الْمُرَاد هنا كما قال أي آخرهم .
قوله:(عَلَى إهلاكهم فإن هلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض
من شؤم عقائدهم وأعمالهم، نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها)أشار به إلَى أن الحمد لله
جملة خبرية لفظًا وإنشائية معنى حمد الله تَعَالَى عَلَى إهلاكهم تعليمًا للعباد وتحريضًا لهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: متحسرون آيسون. قال القراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه ولذلك قيل الذي سكت عند
انقطاع الحجة فقد أبلس. وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحسرة الحزين فالإبلاس في اللغة
يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة ويكون بمعنى انقطاع الحجة ويكون بمعنى الحيرة
وبما يرد عَلَى النفس عن البلية
قوله: فإن إهلاك الْكُفَّار والعصاة الخ. هذا الْمَعْنَى عَلَى أن يراد بالرب محئ التربية التي هي
النعمة بقرينة ذكره بعد الحمد، وقَالُوا يجوز أن يراد بالرب الملك، فالْمَعْنَى الحمد لله الملك القهار
الذي له الكبرياء والعظمة وله التصرف في ملكه كَيْفَ يشاء .