وقد بينا هذا المرام في رسالة مستقلة ومن أراد الاستقصاء فليراجع إليها بانظار ثاقبة .
قوله: (وبالنظر إلَى الْإنْسَان كثير) أي بالنظر إلَى أنه ينال به خير الدارين كثير فالقلة
والكثرة من الأمور الإضافية والنسبية فالشيء الواحد يكون قليلًا بالنسبة إلَى شيء وكثيرًا
بالنسبة إلَى شيء آخر فلا تناقض، وإنما التناقض إذا كان القلة والكثرة بالنسبة إلَى واحد .
[قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا(86) ]
قوله: (اللام الأولى موطئة للقسم ولَنَذْهَبَنَّ جوابه النائب مناب جزاء الشرط) ومعنى
كونه نائبًا أنه يستغنى به عن تقدير مثله للجزاء ولم يعكس لأن القسم مقدم في الاعتبار
طالب للجواب فأعطي له مع أنه مانع وهو اللام هنا لأنها لا تدخل عَلَى جزآن .
قوله: (والْمَعْنَى إن شئنا ذهبنا بالْقُرْآن ومحوناه من المصاحف والصدور) هذا مؤيد
لكون الْقُرْآن عبارة عن نظم يدل عَلَى الْمَعْنَى كما اختاره صاحب التوضيح. قوله ومحوناه أي
الْقُرْآن من المصاحف وهو محو وجوده في الْكِتَابَة والصدور وهو محو وجوده في الذهن
وهو مستلزم لمحو وجوده في العبارة، وأما وجوده في الخارج فلا يحتمل المحو والزوال
قال النحرير في شرح العقائد وتحقيقه أن للشيء وجودًا في الأعيان ووجودًا في الأذهان
ووجودًا في العبارة ووجودًا في الْكِتَابَة فالْكِتَابَة تدل عَلَى العبارة وهي عَلَى ما في الأذهان
وهي عَلَى ما في الأعيان انتهى. فاتضح ما ذكرنا فلا مجاز عَلَى ما قررناه ؛ إذ المحو والإزالة
إنما هُوَ للوجود ولذا بيناه عَلَى الوجه المزبور فإن الْقُرْآن لا يحتمل حقيقته الموجودة في
الخارج المحو كما مَرَّ. ولذا قال الْمُصَنّف ذهبنا [بالْقُرْآن] ومحوناه أي وجوده في الْكِتَابَة
ووجوده في الذهن فالْمُرَاد بالْقُرْآن معنى واحد في الصورتين وهو الموجود في الخارج .
قوله: (من يتوكل علينا استرداده مسطورًا محفوظًا) من يتوكل عليه هنا أي من يلتزم
استرداد وجوده في الْكِتَابَة وفي الذهن وفي العبارة مسطورًا ناظر إلَى الأول محفوظًا ناظر
إلى الثاني .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا(87)
قوله: (فإنها إن نالتك فلعلها تسترده عليك) قد عرفت أن صيغة الإطماع من عادة
العظماء لأن وجود المسترد مستلزم للاسترداد بقرينة الاستثناء هذا الاستثناء كونه متصلًا لا
يلائم تفسير وكيلًا بمن يتوكل إلا إن اعتبر التَغْليب في من .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
إليه [كثيرًا وهذا] القليل بالْإضَافَة إلَى ذلك النيل كثير، فالضَّمير في إليه عائد إلَى مصدر ينال .