الكذب لكن كذبهم في الْآخرَة لفرط الدهشة والحيرة بخلافه في الدُّنْيَا، فعلم منه أن
المشار إليه غير الصرف الْمَذْكُور بعده لا عينه، والكاف للتشبيه وإن كان مثل ذلك
محتملًا لهما كما أشرنا إليه .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا
يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (56)
قوله: (من الْمَلَائكَة أو من الإنس) وفي توصيف العلم والإيمان تنبيه عَلَى شرفهما
وتقديم العلم للإشَارَة إلَى [أشرفيته] ، وتقديم الْمَلَائكَة لتقدم وجودهم ولتجردهم عن العوائق
وإلا فالإنس أفضل من الْمَلَائكَة عند جُمْهُور أهل السنة .
قوله: (في علمه وقضائه) إذ الْكتَاب يطلق عليهما إما مَجَازًا بعلاقة السببية أو حَقيقَة
عرفية كونهما ظرفًا [للبعث] مجاز فلا حاجة إلَى تأويلهما بمعلومه ومقضيه عَلَى أن ظرفيتهما
مجازية أَيْضًا، والْمُرَاد بالقضاء تعلق الإرادة الأَزَليَّة الْإلَهيَّة لوجود الشيء، كَمَا صَرَّحَ به في
سورة البقرة في قوله: (وإذا قضى أمرًا) الآية. وهو غير العلم عند
الأشاعرة بهذا الْمَعْنَى سواء عطف بالواو أو عطف بأو .
قوله: (أو ما كتبه لكم أي أوجبه أو اللوح أو القرآن وهو قوله:(وَمِنْ
وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ)أو ما كتبه لكم أي أوجبه بحكمته فهو مَجَاز مُرْسَل
أو اسْتعَارَة. قيل عَلَى أن في للتعليل كقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"إن امرأة دخلت النَّار في هرة"
حبستها"الْحَديث أو اللوح أي ما كتبه في اللوح المحفوظ أو الْقُرْآن الذي ذكر فيه"
لبثهم وهو قَوْلُه تَعَالَى: (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ) ويطلق الْكتَاب عَلَى
هذه الْمَعَاني الْمَذْكُورة بعضها مجاز وبعضها حَقيقَة قدم الوجه الأول لجزالته وللمُبَالَغَة
إذ الْمَعْنَى لقد لبثتم في الْأَرْض أحياء وأمواتًا ولبثكم في علم الله تَعَالَى وما كان في علم
الله فهو ثابت لا محالة وكذا الْكَلَام في قضائه أي في إرادته، والْمُرَاد لا يتخلف عن
الإرادة وكلمة في باق في الظرفة ولو مَجَازًا والوجه الثالث كلمة في التعليل فيه وفيما
بعده أَيْضًا والفرق أن في الثالث الْمُرَاد بما كتبه أوجبه بحكمته بدون ملاحظة ثبوته في
اللوح المحفوظ وإن كان ثابتًا في نفس الأمر والوجه الخاص بين فيه لبثهم في القبور
لأن قَوْلُه تَعَالَى (وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ) الآية. معناه ومن أمامهم
والضَّمير للجماعة الطالبين للرجعة حين حصرهم الموت. برزخ أي حائل بينهم وبين
الرجعة (إلَى يوم يبعثون) يَوْم الْقيَامَة، والْمُرَاد بالبرزخ القبر ولبثهم
في الدُّنْيَا أحياء معلوم بديهة واسْتمْرَار البرزخ إلَى البعث يقتضي لبثهم مدته، وهذا ظَاهر
في الأخير لأن مدة لبثهم فيه متناه في يوم البعث، وأما الغاية في علم الله وفيما ذكر بعده
فلأن الْمُرَاد كما أشرنا إليه كون لبثهم في الدُّنْيَا أحياء وأمواتًا (إلَى يوم يبعثون)
وتعلق العلم وإرادته بلبثهم إلَى هذه الغاية .