فهرس الكتاب

الصفحة 10468 من 10841

لا يكذب الخ. إذ لا يقول بعضهم قولًا كاذبًا لبعض، هذا لبيان المفاعلة أو عام لها ولغيرها.

وفيه تنبيه عَلَى أن عدم سمعهم كناية عن عدم المكاذبة وكذا الكذب؛ إذ عدم سمعهم كناية

عن انتفائه، وكذا الْكَلَام في اللغو فهو أبلغ من قوله: لا يكذبون فيها ولا يلغون. أعيد (لا) في

(وَلَا كِذَّابًا) للتنبيه عَلَى أن كل واحد منفي لا المجموع من حيث المجموع.

قَوْلُه تَعَالَى: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا(36)

قوله: (بمقتضى وعده تفضلًا منه؛ إذ لا يجب عليه شيء) بمقتضى وعده فيه رد عَلَى

المعتزلة في زعمهم في وجوب إثابة المتقين وتعذيب العصاة والْمُشْركينَ، كما أشار إليه

الْمُصَنّف بقوله: إذ لا يجب عليه شيء، فلا يجب عليه إثابة المطيع فما ذكره المص كبرى

والوجوب المنفهم من قوله: (جزاء) بناء عَلَى وعده، ولما كان خلف الوعد

محالًا كان الموعود كالواجب فقوله: (جزاء) بالنظر إلَى الوعد. وقوله:

(عطاء) بالنظر إلَى ذاته مع قطع النظر عن الوعد فلا منافاة بين جمعهما، ومراد

الْمُصَنّف دفع وهم المنافاة فإن كونه جزاء ينافي كونه عطاء إذا كانا من جهة واحدة فحين

يحملان عَلَى الجهتين اندفع ذلك التوهم وحسن الإبدال منه ولم يعكس للتنبيه عَلَى أن

كونه عطاء هُوَ الأصل وكونه جزاء بواسطة الوعد وجزاء مَفْعُول مطلق مؤكد بمعنى(إن

لِلْمُتَّقِينَ مفازًا)لأنه بمعنى جار بالفوز كذا قيل. أي إنه مصدر مؤكد لمضمون جملة لا محتمل

لها لغيره فيكون فعله مَحْذُوفًا وجوبًا. أي جوزوا بذلك جزاء كائنًا مِنْ رَبِّكَ أي جزاء عظيمًا

لا يعرف كنهه؛ لأن الْجَزَاء الكائن من العظيم لا يكون إلا عظيمًا ولذا قيد بقوله:(مِنْ

رَبِّكَ)مع ظهوره واسم الرب هنا أوقع من سائر الأسماء السامية لأن ذلك

الْجَزَاء من آثار التَّرْبيَة وإضافته إليه عَلَيْهِ السَّلَامُ دونهم تَشْريفًا له عَلَيْهِ السَّلَامُ.

قوله: (وهو بدل من جزاء. وقيل منتصب به نصب الْمَفْعُول به) قائله صاحب الكَشَّاف.

مرضه الْمُصَنّف لأن النحاة صرحوا بأنه إنما يعمل المصدر إذا لم يكن مَفْعُولًا مُطْلَقًا مع

شروط أخر، واعترض عليه بأن ذلك إذا كان الناصب للمَفْعُول المطلق مذكورًا، أما إذا حذف

لازمًا كان أو جائزًا ففيه خلاف هل هُوَ العامل أو الْفعْل. وما نحن فيه منه فإن جزاء مصدر

مؤكد كما قاله. غايته [اختيار] إعمال المصدر، ولعل وجه التمريض مرجوحية إعمال المصدر.

قال الرضي: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: العمل للفعل عَلَى كل حال انتهى. لأن الأصل في العمل هُوَ

الْفعْل ومهما أمكن اعتبار عمله لا يصار إلَى غيره، ولذا مرضه الْمُصَنّف، والزَّمَخْشَريُّ نظر

إلى أنه مذكور والعمل للمذكور هُوَ الأَولى وهو إمام في العلوم العربية غير مقلِّد.

والاعتراض عليه بما اختاره غيره ليس بمستحسن. غاية الأمر أن الْمُصَنّف اختار مسلك غيره

والْمَعْنَى عَلَى ما اختاره الزَّمَخْشَريّ جزاهم عطاء. أي معطي أو نفس العطاء مُبَالَغَة فحِينَئِذٍ لا

إشكال في جمع الْجَزَاء والعطاء. ولا يحتاج إلَى التمحل في دفعه فهو راجح بهذا الاعتبار

ولعله قصده بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت