لأن اللام مانع أي وحرام عَلَى أهل قرية ذاك وهو الْمَذْكُور في الآية المتقدمة
وهو العمل الصالح مع الإيمان والسعي المشكور بالإحسان ثم علل الحرمة الْمَذْكُورة بأنهم لا
يرجعون عن الكفر ولا ينيبون عطف تفسير له لعلمه تَعَالَى بأنهم يموتون عَلَى الكفر ولا يلتفتون
إلى الآيات الشرعية والْعَقْليَّة ويستحسنون المعاصي ويستقبحون الإيمان والطاعة فتكون قلوبهم
مختومة وحواسهم مؤوفة فيمتنع الإيمان امتناعًا بالغير لتعلق العلم بخلافه، وهذا يؤيد ما ذكرنا
من أن الْمُرَاد قوم بأعيانهم محكوم عليهم بالكفر إلَى أن ماتوا.
قوله: (ويؤيد القراءة بالكسر) أي بكسر همزة (إنهم) لأنه حِينَئِذٍ بمنزلة التعليل عَلَى
سبيل الاسْتئْنَاف الْمَعَاني والأصل توافق القراآت لكن لما لم يجب ذلك التوافق قال ويؤيده
ولم يقل ويدل الخ.
قوله: (وقيل حَرامٌ عزم وموجب عليهم(أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) . وقيل
(حَرامٌ) ليس اسْتعَارَة عن الممتنع بل هُوَ مجاز عن عزم الله تَعَالَى. قوله وموجب عليهم توضيح
معنى العزم أنهم لا يرجعون عن الشرك والمعاصي فيكون ذلك ممتنعًا. والفرق أن في
الْمَعْنَى الأول لوحظ المعلل وفي الثاني العلة؛ إذ مر مرارًا أن منشأ امتناعه علم الله تَعَالَى
وحكمه في الأزل بأنهم لا يُؤْمنُونَ وعلى الكفر يموتون ولا يلزم الجبر لأن العلم تابع
للمعلوم والمعلوم كفرهم وإصرارهم عليه باختيارهم الجزئي فلا جبر حِينَئِذٍ وفي هذا الوجه
لا يحمل (لا) عَلَى الصلة أصلًا. وعزم الله واجب وقوعه ممتنع خلافه فيمتنع الرجوع إلَى
التَّوْبَة فيوافق التَّفْسير الأول بهذه الحيثية وإن كان بينهما فرق من جهة أخرى يظهر بالتأمل
الأحْرى. ومن جملتها لا يقال حِينَئِذٍ فيمتنع الرجوع إلَى الحياة كما يقال فيمتنع الرجوع إلَى
التَّوْبَة بكونه مآلًا له كما عرفته.
قَوْلُه تَعَالَى: (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ(96)
قوله: (متعلق بـ(حَرامٌ) بمعنى أنه غاية له لا بأنه متعلق به لأنها ابتدائية كما سيصرح به
فيفيد أن الامتناع الْمَذْكُور ينتهي عنده فيقتضي إمكان الرجوع إلَى التَّوْبَة مثلًا فتكون توبتهم
مقبولة. والْجَوَاب إن فتح سد يَأْجُوج ومأْجُوج كناية عن قيام الساعة، كَمَا صَرَّحَ به البعض
ويؤيده أنه يكون غاية لامتناع رجوعهم إلَى الحياة فلا جرم أن الْمُرَاد قيام الساعة فحِينَئِذٍ
يتعذر الرجوع إلَى التَّوْبَة وإلى الحياة للإيمان لفوت أوقاتهما، ولو كان الْمُرَاد ظاهره لزم أن
يكون إمكان الرجوع إلَى الحياة للتدارك كما لزم إمكان التَّوْبَة بناء عَلَى أن مفهوم المخالفة
أي مفهوم الغاية معتبر اتفاقًا لكن لفوت أوقاتهما لا مجال لمفهوم الغاية، وكذا الْكَلَام في
كونه غاية لامتناع عدم الرجوع إلَى الحياة للجزاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ويؤيده القراءة بالكسر. أي بكسر (إنَّ) وجه التأييد أنه تكون هذه الْجُمْلَة حِينَئِذٍ موردة
على طريق الاسْتئْنَاف جوابًا لما عسى يسأل عن علة كون ذلك اللطف حرامًا عليهم كقولك: اعبد
ربك إن الْعبَادَة حق له.