كما هُوَ مقتضى السوق والتعميم خلاف مذاق الْكَلَام، وإنما اخْتيرَ هنا فاتقون وفي سورة
الْأَنْبيَاء فاعبدون ؛ إذ الْعبَادَة هي مبدأ السلوك وهي الْمُنَاسب للمتوالدين الَّذينَ هم المخاطبون
هناك عَلَى قول والتَّقْوَى هي منتهى السلوك وهي الْمُنَاسب للأنبياء المخاطبين هنا، أو للتفنن
الذي هُوَ من شعب البلاغة إن قيل إن المخاطبين هم الْأَنْبيَاء في الموضعين
قَوْلُه تَعَالَى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(53)
قوله:(فتقطعوا أمر دينهم وجعلوه أديانًا مختلفة، أو فتفرقوا وتحزبوا وأمرهم منصوب بنزع
الخافض أو التمييز)أمر دينهم بتقدير الْمُضَاف أو إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالأمر الدين فالْإضَافَة
بيانية. قوله فتقطعوا للإشَارَة إلَى أن تقطع هنا بمعنى قطع مثل تقدم بمعنى قدم وجعلوه أديانًا
مختلفة بيان تقطيع أمر دينهم أو تفرقوا الخ. فعلى هذا التفعل عَلَى بابه. قوله بنزع الخافض أي في
أمر دينهم أو التميز عند من جوز تعريفه وهم الكوفيون أخَّره لضعفه .
قوله: (والضَّمير لما دل عليه الأمة من أربابها أولها) لما دل عليه الأمة دلالة التزامية
إن أريد بالأمة الملة وهو الراجح عنده أولها أي للأمة إن أريد بها الجماعة ولا مساغ لكونه
للأنبياء ؛ إذ التقطع منهم محال .
قوله:(قطعًا جمع زبور الذي بمعنى الفرقة ويؤيده القراءة بفتح الباء فإنه جمع
زبرة وهو حال من أمرهم أو من الواو، أو مفعول ثان لـ تقطعوا فإنه متضمن معنى جعل)
وهو حال من أمرهم هذا إشَارَة إلَى رجحان الْقَوْل الأول لتقطعوا ولم يتعرض لكونه
حالًا من الواو لكون التفسير الثاني مرجوحًا عنده والحال حال مؤكدة، ولذا لم تذكر في
سورة الْأَنْبيَاء. قوله ويؤيده أي كونه جمع زبور بمعنى الفرقة بفتح الباء الخ. وهذا إشَارَة إلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فتقطعوا أمر دينهم هذا التفسير مبني عَلَى اسْتعْمَال تقطعوا متعديًا، ولذا قال في بيانه
وجعلوه أديانًا مختلفة. وقوله أو تفرقوا وتحزبوا مبني عَلَى اسْتعْمَاله لازمًا. أي فكانوا فرقًا كثيرًا
وأحزابًا مختلفة فالتفرقة عَلَى الأول صفة الأديان وعلى الثاني صفة أصحابها وهم الأمم فيكون
انتصاب أمرهم عَلَى الثاني بنزع الخافض. أي في أمرهم ودينهم والضَّمير لما دل عليه الأمة أي
ضمير الْفَاعل في فتقطعوا والضَّمير الْمُضَاف إليه في أمرهم عَلَى الوجه الثاني راجع إلَى ما دلت
عليه الأمة إن كانت هي بمعنى الملة والدين فإن الملة تدل عَلَى أصحابها التزامًا وإلى الأمة نفسها
إن كان الْمُرَاد بها الْمَعْنَى المُتَعَارَف وهو الجماعة وعلى التقديرين يرجع إلَى أرباب الدين .
قوله: وهو حال من أمرهم أو من الواو أي زبرًا. حال من مَفْعُول تقطعوا وهو أمرهم أو من
فاعله وهو الواو، فالْمَعْنَى عَلَى الأول تقطعوا أمر دينهم مقدرًا كونه قطعًا فيكون حالًا مقدرة وعلى
الثاني فتقطعوا كائنين قطعًا فيكون أيضًا حالًا مقدرة، فالْمَعْنَى تقطعوا وتحزبوا مقدرين عَلَى أنفسهم
أن يكُونُوا قطعا متفرقين وأحزابًا مختلفين، والاحتمال الأول مبني عَلَى كون التقطيع متعديًا والثاني
على كونه لازمًا .
قوله: أو مَفْعُول ثانٍ لـ تقطعوا فإنه يتضمن معنى جعل فالمعنى فجعلوا أمر دينهم زبرًا
متقطعين إياه قطعًا .