على قراءة الفتح فالجار مَحْذُوف متعلقه إما فاتقون وهو الراجح، ولذا قدمه أو اعملوا والفاء [في]
فاتقون جزائية دالة عَلَى تضمن الْكَلَام معنى الشرط. أي إنْ كُنْتُمْ متقين عن شيء فاتقون
لأن العقول السليمة متفقة عَلَى أُلوهيتي وربوبيتي والعقائد الحقة وأصول الشرائع هي
الموجبة لتقوى التي هي منتهى السلوك، والْمُرَاد الأمر بدوام التَّقْوَى ؛ إذ المخاطبين هم
الْأَنْبيَاء عليهم السلام .
قوله: (وقيل إنه مَعْطُوف عَلَى ما تعملون) فالْمَعْنَى إني عليم بما تعملون. أي بعملكم
وبأن هذه أمتكم الخ. فالْمَحْذُوف هُوَ الباء فلا يكون تعليلًا، مرضه لأنه مع عدم جزالة الْمَعْنَى
لا فَائدَة في إخبار علمه بذلك لأن في الأول هُوَ كناية عن الْجَزَاء وهنا ليس كَذَلكَ بحسب
الظَّاهر ولو سلم ذلك فربط (وأنا ربكم فاتقون) غير ظَاهر فإنه ليس داخلًا في حيز
المعلوم لا سيما فاتقون (وقرأ ابن عامر بالتخفيف والكوفيون بالكسر عَلَى الاسْتئْنَاف) .
قوله: (ملتكم ملة واحدة أي متحدة في الاعتقاد وأصول الشرائع) ملتكم الخ. أَشَارَ إلَى
أن الْمُرَاد بالأمة الملة مَجَازًا ؛ إذ أصل الأمة الجماعة التي تجتمع عَلَى أمر ديني أو غيره
فأطلقت عَلَى ما يجتمعون عليه واحتمال الاشتراك بعيد. قوله وأصول الشرائع احتراز عن
الفروع التي تختلف باخْتلَاف الأوقات فإنه لا اتحاد فيها .
قوله: (أو جماعتكم جماعة واحدة متفقة عَلَى الإيمان والتوحيد في الْعبَادَة) هذا معنى
حقيقي لها آخره مع ذلك لأن كون الجماعة جماعة واحدة بسَبَب كون الملة ملة واحدة .
قوله: (ونصب أمة عَلَى الحال) أي من الخبر والعامل معنى الإشارة أو التَّنْبيه. قوله
واحدة صفة مؤكدة للتنبيه عَلَى أن الْمُرَاد بالأمة الواحدة لا الجنس .
قوله: (في شق العصا ومخالفة الكلمة) شق العصا العصيان ومخالفة الكلمة مفارقة
الدين والجماعة قد عرفت أن الْمَعْنَى الأمر بالدوام لأن المخاطبين هم الْأَنْبيَاء عليهم السلام
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله أو اعملوا. أي أو المعلل به اعملوا المقدر بعده تقديره ولأن هذه أمتكم أي واحدة وأنا
ربكم اعملوا صالحًا حذف لدلالة اعملوا الْمَذْكُور عليه ولم يرد أن المعلل اعملوا الْمَذْكُور لأن
الواو في وأن هذه يأباه لعدم صحة دخول الواو بين العلة والمعلل بها .
قوله: وقد قيل إنه مَعْطُوف عَلَى ما تعملون فالْمَعْنَى إني عليم بعملكم، وكون هذه الأمة
أمتكم أمة واحدة، فعلى هذا يكون هذه الْجُمْلَة. أي جملة أن هذه أمتكم أمة واحدة مجرورة المحل
لكونها مَعْطُوفة عَلَى المجرد بالباء لا باللام المقدرة الداخلة عَلَى أن قوله ونصب أمة عَلَى الحال
أي عَلَى أنه حال من اسم أن والعامل معنى الإشَارَة مثل (هَذَا بَعْلِي شَيْخًا) .
قوله: في شق العصا ومخالفة الكلمة. يقال فلان شق العصا إذا فارق الجماعة وانشقت العصا
أي تفرق الأمر كذا في الصحاح .