وحاله) كأنه جوب إشكال بأن العمى باق فَكَيْفَ يكون عذاب النَّار أبقى مما عداه؟ فأجاب
بما ترى لكن بملاحظة انضمام أشد إلَى أبقى لزال ذلك الإشكال، وإنما قال ولعله لعدم
الدليل القاطع لجواز أن لا يزول العمى والإشكال الْمَذْكُور غير وارد لما عرفته.
قوله: (أو مما فعله من ترك الآيات والكفر بها) أي المفضل عليه ليس ضنك العيش
أو منه ومن العمى بل مما فعله فلا إشكال، لكن ضعفه لأن النسبة بين العذابين أولى من
النسبة بين العذاب وبين ما فعله.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
لِأُولِي النُّهى (128)
قوله: (مسند إلَى الله تَعَالَى) قدمه لأن الهداية فعل الله تَعَالَى حَقيقَة؛ إذ الْمُرَاد التبيين
والإرشاد، والْمُرَاد بالهداية الْمَعْنَى اللغوي.
قوله: (أو الرَّسُول أو ما دل عليه(كم أهلكنا) الآية) أو الرَّسُول؛ إذ
التبيين لهم بمباشرة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأما تبيين الله تَعَالَى فبواسطة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ
وعن هذا جوز كون الإسناد إلَى الرَّسُول كما جاز إسناده إلَى الله تَعَالَى، ثم جوز أن يكون
المسند إلَى الإهلاك المدلول عليه بقوله: (كم أهلكنا) .
قوله: (أي إهلاكنا إياهم) تفسير لقوله ما دل عليه والإسناد [حِينَئِذٍ] مجازي إن أريد التبيين
بالْقَوْل فإن أريد التبيين بالحال فلا مجاز في الإسناد بل في الكلمة.
قوله: (أو الْجُمْلَة) عطف عَلَى قوله إلَى الله أي الْفَاعل هُوَ هذا اللَّفْظ.
قوله: (بمضمونها) إشَارَة إلَى أن كون الْجُمْلَة فاعلًا أو مَفْعُولًا باعْتبَار مضمونها
ودلالتها عَلَى ما هُوَ الْفَاعل وهو إهلاك الله إياهم وهذا في المآل متعد لكون الْفَاعل ما دل
عليه قوله: (كم أهلكنا) لكن فيما دل شائبة الإضمار قيل الذكر والْكَلَام في
إسناده مثل الْكَلَام في الإسناد إلَى ما دل أخَّره لأن كون الْجُمْلَة فاعلًا مذهب الكوفيين وهو
مذهب مرجوح والبصريون لا يجوزونها. قيل هذا بناء عَلَى أن الْجُمْلَة تكون فاعلًا كما يقع
مَفْعُولًا إما مطلقًا أو بشرط كونه الْفعْل قلبيًا ووجود معلق عن العمل والْجُمْهُور عَلَى خلافه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
(ولعذاب الْآخرَة) بمعنى ولعذاب النَّار، ومعنى زوال العمى لرؤية حاله ومحله عَلَى
التأويل مُسْتَفَاد من صيغة التَّفْضيل في أبقى أي أبقى من ضنك العيش والعمى في الْآخرَة فيفهم منه
أن الإبقاء في عمى الْآخرَة مثل بقاء عذاب النَّار. أي بقاء عمى الْآخرَة منقرض وبقاء عذاب النَّار
لهم أبدي.
قوله: أو ما دل عليه (كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ) فالْمَعْنَى أفلم يهدهم
إهلاكنا إياهم. وقوله أو الْجُمْلَة بمضمونها بجر الْجُمْلَة عطفًا عَلَى محل ما دل عليه، فالْمَعْنَى أفلم
يهد لهم هذا الْقَوْل، والْمُرَاد هدايتها بمضمونها.