في خوان وكفور تحمل عَلَى المُبَالَغَة في النفي كقَوْله تَعَالَى: (وما ربك بظلام للعبيد)
أو لأنه في حق الْمُشْركينَ وهم كَذَلكَ فلا مفهوم بأنه يحب الخائن والكافر .
قوله: (كمن يتقرب إلى الأصنام بذبيحته فلا يرتضي فعلهم ولا ينصرهم) كمن يتقرب إشَارَة
إلى ربط هذا الْكَلَام بما قبله من الشعائر. قوله فلا يرتضي فعلهم أي ذبحهم أو مطلق الْفعْل لقوله
تَعَالَى: (لن ينال الله لحومها) الآية. وأَشَارَ إلَى أن معنى لا يجب لا يرتضي. قوله ولا
ينصرهم إما لازم معنى لا يرتضي أو معنى آخر لقوله: (لا يحب) .
قَوْلُه تَعَالَى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39)
قوله: (رخص) معنى أُذِنَ لأن الإذن في الشيء رفع الحجاب عن الشيء والإعلام
بإجازته وأدنى مراتبه الرخصة فيه بلا وجوب، والمأذون فيه القتال لقوله: (لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ)
(وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي على البناء للفاعل وهو الله تعالى. [لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ]
المشركين والمأذون فيه محذوف لدلالته عليه، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء أي للذين يقاتلهم المشركون) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون يدافع. أي يبالغ في الدفع مُبَالَغَة من يغالب فيه. أخذ
يدافع من باب المغالبة في الدفع ولما تضمن حقيقته معنى التحرج والتعب في صدور الدفع حمله
على الْمَجَاز لعدم صحة إسناد حقيقته إلَى الله تَعَالَى.
قوله: فلا يرتضي فعلهم ولا ينصرهم إشارة إلَى أن الحب في حق الله تَعَالَى بمعنى الرضى
اللازم للحب لأن حَقيقَة الحب هي الميل النفساني، وهو بهذا الْمَعْنَى لا يصح إسناده إليه تعالى قال
في الكَشَّاف: خص الْمُؤْمنينَ بدفعه عنهم ونصرته لهم كما قال: (إنا لننصر رسلنا والَّذينَ آمَنُوا)
وقال: (إنهم لهم المنصورون) ([وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ
وَفَتْحٌ قَرِيبٌ)] وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم وهم الخونة الكفرة الَّذينَ
يخونون الله والرَّسُول ويخونون أماناتهم ويكفرون نعم الله ويغطونها. إلَى هنا كلامه. معنى كلامه
وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم أنه أورد قوله (إنَّ اللَّهَ لا يجب كل خوان كفور)
عَلَى وجه الاسْتئْنَاف جوابًا لما عسى يسأل عن سبب الدفع عن الَّذينَ آمَنُوا فيكون
الْمَعْنَى إنَّ اللَّهَ إنما ينصر الْمُؤْمنينَ لما أنه يبغض أضدادهم. فإن قيل أليس هذا مثل قول القائل إنما
أحبك لبغض فلان ويؤدي هذا إلَى أنه لولا بغض فلان لما أحببتك [فلمَ] لا لأن المعنى إنَّ اللَّهَ ينصر
الَّذينَ آمَنُوا بالله ورسوله لأنهم لم يخونوا الله ورسوله ولا يخونون أماناتهم ويشكرون نعمة الله
تَعَالَى، ولذلك لا يحب من هُوَ عَلَى خلاف ما هم عليه من الخيانة والكفران ويدفع شرهم عنهم.
فقول الْمُصَنّف رحمه الله فلا يرتضي فعلهم ولا ينصرهم لا يخلو عن إشَارَة ما إلَى جواب ذلك
السؤال الْمَذْكُور الوارد عَلَى تعليل الدفع عن الْمُؤْمنينَ بقوله: (إنَّ اللَّهَ لا يحب كل خوان كفور)
لأن في قوله هذا إيماء إلَى أن الله تَعَالَى يدافع عن الْمُؤْمنينَ شر الْكُفَّار وينصرهم لأنه
يحب ويرتضي فعلهم ولا يرتضي فعلًا يخالف فعلهم ولا ينصر من يفعل خلاف فعلهم .
قوله: والمأذون فيه مَحْذُوف لدلالته عليه. أي لدلالة يقاتلون عَلَى المأذون فيه وهو قتال
الْمُشْركينَ. فالْمَعْنَى إذن أي رخص للَّذينَ يُريدُونَ القتال أن يقاتلوا الْمُشْركينَ .