قوله: (قال: أو ما تسأله قال: أنت أبسط مني إليه فاسأله فقال جبريل: الله أمرني بذلك.
لقولك: (وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) أو ما تسأله أي أما تطلب وجه ذلك
وما تسأله عن سبب ذلك الأمر؟ قال أنت يا أبتي أبسط أي أقرب مني إليه لتقدم نبوتك
ولوفور عملك ولشيخوختك فأنت أحْرى بأن تسأله عن ذلك فكان هذا حقًا فبادر إلَى
السؤال قال تَعَالَى فهلا خفتني هلا تحضيضية للتنديم .
قوله: (قال فهلا خفتني) سوق الْكَلَام يقتضي فهلا خافني بصيغَة الغائب لكنه خاطبه
تنزيلًا له منزلة الحاضر تنبيهًا عَلَى أن مثل ذلك لا يليق بمنصب النبوة فيؤتى بالخطاب
لأجل العتاب ؛ إذ النظر بالْأَسْباب ليس بلائق لمن أوتي النبوة وفصل الخطاب، وعن هذا أورد
حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار. وقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"أشد النَّاس بلاء الْأَنْبيَاء ثم"
الأولياء ثم الأمثل فالأمثل"معناه عَلَى ما قيل عدم انحطاط ما ينحط عن العوام عنهم حتى"
عوتبوا بما أبيح للعوام .
قَوْلُه تَعَالَى: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ
وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)
قوله: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) حكاية ما صدر منه عليه
السلام بعد مدة من ملاقاة أبيه وإخوته كما أشار إليه الْمُصَنّف في أثناء تقرير الرّوَايَة
كأنه قيل قال يُوسُف بعد إقامته مع أبيه وبعد ارتحال أبيه (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ)
وبمثل هذا لا يراد به فَائدَة الخبر ولا لازمه بل الْمُرَاد التوصل إلَى
الاستجابة وإعطاء ما يتمناه بما سلف معه من إسباغ النعمة وإكمال المنحة وأنه تَعَالَى
عوده بالكرامة في البداية وأطعمه فيها بالنهاية ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطعمه
ومثل هذا كثير في التنزيل وعند أرباب التأويل. والحاصل الْمُرَاد بمثل هذه الأخبار إنشاء
هذه اللطائف والأسرار .
قوله: (بعض الملك وهو ملك مصر) مُسْتَفَاد من كلمة من التبعيضية وهو ملك مصر
الضَّمير راجع إلَى الْمُضَاف ؛ إذ الضَّمير الذي يحتمل رجوعه إلَى الْمُضَاف وإلى الْمُضَاف إليه
ورجوعه إلَى الْمُضَاف أولى وقد جوز رجوعه إلَى الْمُضَاف إليه ولا ينافيه قَوْلُه تَعَالَى:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بعض الملك. وفي الكَشَّاف مِن في (من الملك) و (من تأويل الأحاديث) للتبعيض لأنه لم
يؤت إلا بعض ملك الدُّنْيَا أو بعض ملك مصر ظاهره ينافي قَوْله تَعَالَى:(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي
الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ)إلا أن يحمل الملك عَلَى المالكية لا عَلَى التسلط
والتصرف هكذا قَالُوا. وأقول يفهم من الْجَوَاب أن الملك إذا حمل عَلَى التسلط والتصرف يجوز أن
يراد به التسلط عَلَى جميع الدُّنْيَا وتسلطه عَلَى جميع الدُّنْيَا غير معلوم، إلا أن يقال قد استفيد معنى
التسلط عَلَى الدُّنْيَا من قوله عز وعلا ( [وَكَذَلِكَ] مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ)
فإن حيث يشاء عام شامل لجميع الممالك التي يشاء .