فما هُوَ جوابه في سائر المواضع فهو جوابنا هنا واحتمال الاسْتئْنَاف بعيد جدًا عن
صفات المخلوقين.
قوله:(يفعل ما تقتضيه حكمته فيكلم تارة بوسط، وتارة بغير وسط إما عيانًا وإما من
وراء حجاب)أراد بيان ارتباطه بما قبله وأن ختام الآية أنسب بأولها. قوله وتارة بغير وسط
إما عيانًا وهو قوله: (إلا وحيًا) قوله: (اما(من وراء حجاب)
هذا أَيْضًا بغير وسط وأنت تعلم أن هذا من قبيل التمثيل وكذا قوله: عيانًا
محمول عَلَى التمثيل قدم الأول مع أنه مؤخر في النظم لبساطته وعدم انقسامه بخلاف ما
بغير وسط فإنه منقسم إلَى قسمين فيكون بمنزلة المركب المؤخر مما هُوَ بمنزلة البسيط، وأما
في النظم الكريم فلأن التَّكَلُّم بغير وسط أعلى المراتب والتَّكَلُّم بالمشافهة أعلى من التَّكَلُّم
من وراء حجاب فقدم الأول عَلَى الثاني وقدما عَلَى الثالث وما ذكره هنا ما اختاره أولًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ
جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)
قوله: (وكَذَلكَ) ومثل ذلك الإيحاء البديع أوحينا إليك والإشَارَة إلَى ما قبله لا
إلى ما بعده، والكاف للتشبيه أو للعينية فهو مَفْعُول مطلق أي أوحينا إليك إيحاء مثل الإيحاء
الْمَذْكُور والتقديم إما للاهتمام أو للحصر لكن الإيحاء الْمَذْكُور شامل لهذا الإيحاء فيتوهم
أنه تشبيه الشيء بنفسه بالنظر إليه فتأمل في جوابه. وقيل وكَذَلكَ فعل الوحي الْمَشْهُور لغيرك
أو مثل ما في هذه السُّورَة والإشَارَة لما بعده كما مَرَّ انتهى. ولا يخفى ضعفه؛ إذ الإشَارَة إلَى
ما قبله صحيح حسن والمشار إليه التكليم المنقسم إلَى الْأَقْسَام الثلاثة.
قوله: (يعني ما أوحي إليه، وسماه روحًا لأن القلوب تحيا به) وسماه روحًا أي
اسْتعَارَة لأن الْقُلُوب تحيا به. أي حياة معنوية فالحياة أَيْضًا اسْتعَارَة أي كما أن الحيوان
يَحْيَا بالروح كَذَلكَ الْقُلُوب تحيا بالوحي فذكر المشبه به وأريد المشبه وتنكير الروح
للتفخيم. قوله (من أمرنا) يزيده شأنًا ومعناه من الإبداعيات الكائنة بـ (كن) من غير مادة وتولد من
أصل كالأعضاء أو وجد بأمرنا وحدث بتكويننا كذا فسره المص في قَوْله تَعَالَى:(قل
الروح من أمر ربي)وهذا وصف للروح باعْتبَار أصل معناه مُبَالَغَة في
تعظيم الوحي الْمُرَاد به.
قوله: (وقيل جبْريل. والْمَعْنَى أرسلناه إليك بالوحي) . وقيل جبْريل سمي روحًا لأن
الخلق يَحْيَا به وبما أنزله. والْمَعْنَى حِينَئِذٍ أرسلناه يعني أوحينا بمعنى أرسلناك بالوحي
مَجَازًا أو بالتَّضْمين، ولهذا مرضه وفيه رد العجز عَلَى الصدر حيث صدر السُّورَة الكريمة
بقوله: (كَذَلكَ يوحى إليك) الآية.
قوله: (ما كنت تدري) (ما) نافية والجمع بين الْمَاضي والمستقبل للتنبيه عَلَى دوام ذلك