مع كثرتهم. لفظة عَلَى بمعنى مع كقَوْله تَعَالَى:(وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفرَةٍ للنَّاس عَلَى
ظُلْمهمْ)أي مع ظلمهم. في مقدار لمحة أي طرفة العين قال في تفسير قوله
تَعَالَى (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسبينَ) يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة
لا يشغله حساب عن حساب ومآل كلامهما واحد، فيكون وعيدًا يجب الحذر عنه
بالتجنب عن المعاصي .
قوله:(أو يوشك أن يقيم الْقيَامَة ويحاسب النَّاس فبادروا إلَى الطاعات واكتساب
الحسنات)أو يوشك عطف عَلَى قوله يحاسب العباد الخ. يعني يجوز أن يراد بسرعة
الحساب الْإخْبَار بقرب يَوْم الْقيَامَة وقرب إقامته تَعَالَى إياه مَجَازًا بإطلاق ما يقع في يوم
الْقيَامَة عليها كما أطلق الرحمة عَلَى الجنة في قَوْله تَعَالَى:(في رحمة الله هم فيها
خالدون)بطَريق ذكر الحال وأُريد المحل قوله (ويحاسب النَّاس)
يوهم الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز. وتوجيهه أنه لما أراد بيان جواز إرادة الْمَجَاز وإرادة قرب
إقامة [القيامة] أَشَارَ إلَى ما وقع فيها ومن جملة الحساب فلذا لم يتعرض لسرعة الحساب بأن
يقول مقدار لمحة أو مقدار حلب شاة. فبادروا إلَى الطاعات الخ. إشَارَة إلَى أنه التحريض
على إكثار الذكر وطلب الْآخرَة والزجر عن طلب الدُّنْيَا فقط، فهو وعدٌ للمكثرين ووعيد
للمقلين، وذكر النَّاس هنا للتفنن ولمناسبته لما قبله وإلا فيحاسب الخلائق برمتهم فما ذكره
في سورة الأنعام أولى مما ذكره هنا وهو الخلائق، فالْجُمْلَة عَلَى هذا مربوطة لقوله(فاذْكُرُوا
الله كذكركم)وتذييل له، والمص حمل المحاسبة عَلَى حقيقتها وهو الحق.
وقيل إنها مجاز عن خلق علم ضروري فيهم بأعمالهم وجزائها كمًا أو كيفًا أو من مَجَازاتهم
عليها وهذا صرف النصوص عن ظواهرها بلا صارف .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ في أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْن فَلا إثْمَ عَلَيْه
وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْه لمَن اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْه تُحْشَرُونَ (203)
قوله:(كبروه [في] أدبار الصلاة وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها في أيام
التشريق) أدبار الصلاة أي أعقابها حمل الذكر عَلَى التكبير بقرينة أيام معدودات؛ لأن المراد
بها أيام التشريق وعند ذبح القرابين والتكبير عند ذبح القرابين واجب وفي أعقاب الصلوات
مستحية عند الإمام، والْمُرَاد بالأمر الْمَعْنَى الأعم الشامل للندب والواجب، والأيام هنا يراد
بها مطلق الأوقات فتتناول الليالي، ولما كان الأيام المعدودة مذكورة في بيان مناسك الحج
حملها المفسرون عَلَى أيام التشريق وبمعونة ذلك حكموا بأن الذكر هُوَ التكبير لكن