حافظ رتيب وهو الكاتب لقَوْله تَعَالَى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ) أو مطلق
الْمَلَائكَة الحفظة. وروي عن النَّبيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ"وكل بالْمُؤْمن مائة وستون ملكًا يذبون عنه"
كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل العبد إلَى نفسه طرفة عين لاختطفته الشَّيَاطين""
أو هُوَ اللَّه تَعَالَى لقَوْله تَعَالَى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) وهذا
الوجه الذي قدمه صاحب الكَشَّاف لكن الراجح هُوَ الاحتمال الأول.
قوله: (والْجُمْلَة عَلَى الوَجْهَيْن جواب القسم) أي عَلَى القراءتين ولو عبر بها لكان
أولى. جواب القسم لأن القسم كما يتلقى بإن المؤكدة كما في القراءة الأولى يتلقى بإنْ
النافية كما في القراءة الثانية اختار الأولى لأنها مع كونها قراءة الأكثرين التأكيد فيها أشد
وهو يناسب القسم؛ لأن الغرض المُبَالَغَة في تشويق ما ينجي وتثبيط ما يردي بالقسم عَلَى أن
كل نفس مكلفة حافظ عليها مراقب عَلَى أعمالها، فكل نفس عام خص منه البعض وهو
الصبي والمجانين مثل (أَقيمُوا الصَّلَاةَ) .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)
قوله: (لما ذكر أن كل نفس عليها حافظ) إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لما ذكر أن كل نفس عليها حافظ أتبعه توصية الْإنْسَان الخ. يريد بيان وجه اتصال
قوله: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ) بما قبله. يعني لما ذكر أن عَلَى كل نفس حافظًا
أتبعه توصية الْإنْسَان بالنظر في أول أمره ونشأنه الأُولى حتى يعلم هُوَ أن من أنشأه أولًا قادر عَلَى
إعادته آخرًا وجزائه عَلَى أعماله بعد الإعادة في النشأة الْآخرَة فيعمل ليوم الإعادة والمجازاة عملًا
صالحًا ولا يملي عَلَى الملك الموكل لحفظ أعماله إلا ما يسُرُّه في عاقبته. وتمام تحريره أنه تَعَالَى
لما أثبت أن عَلَى [كل] نفس حافظًا يكتب أعمالها دقيقها وجليلها خيرها وشرها عَلَى التوكيد القسمي
دلالة عَلَى أنه تَعَالَى ما خلق الخلق سدى وعبثًا بل خلقهم لأمر خطير وخطب عظيم وما ذلك إلا
ليعرفوا مالكهم [وخالقهم] [فيعبدوه] ولا يشركوا به شَيْئًا، علم أنه لا بد من ثواب المطيع وعقاب
العاصي ومن الرجوع إلَى الملك العدل للوصول إلَى ما لكل منهما قال الله تَعَالَى:(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ)فمن أنكر ذلك
[فلينظر إلَى نفسه] (مم خلق) إلَى قَوْله: (إنه عَلَى رجعه لقادر) وهو
الْمُرَاد من قوله أتبعه توصية الْإنْسَان بالنظر في مبدئه فظهر من هذا التقرير أن الفاء في (فلينظر)
فاء فصيحة لإفصاحه عن هذه المقدرات. قال صاحب الكشف: وليست هذه الفاء
فصيحة؛ إذ لا يحتاج إلَى حذف في استقامة الْكَلَام لأنه لما أثبت أن عليه رقيبًا منه تَعَالَى حثه عَلَى
النظر المعرف لذلك. أقول: عَلَى ما قرره صاحب الكشف [تكون] الفاء جواب شرط مَحْذُوف ويسمى
مثل هذه الفاء فصيحة عند أهل الْمَعَاني كما هُوَ مبين في موضعه، وأَيْضًا فيه مقدر لازم معناه لمعنى
قوله: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وذلك المقدر أن الرجع والمجازاة الأخروية
حق، ثم قال وإن أنكره الإنسان فلينظر إلَى الدليل فقوله: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ)
نتيجة ذلك الدليل المضمر في (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) .