حِينَئِذٍ أن يقال إن (لا يسمعون حسيسها) احتراس وتكميل لأن الورود مظنة التأذي فيكون
لدفع هذا الوهم.
قوله: (دائمون في غاية التنعم) أي الخلود بمعنى الدوام بقرينة تَقْييده بـ أبدًا في مَوْضع
آخر لا بمعنى المكث الطويل في غاية التنعم لأن الْمُرَاد الرفع إلَى أعلى عليين الذي هو
عبارة عن الجنة كما عرفته، وغايته مُسْتَفَاد من الخلود لأن ملاك كل نعمة الثبات والدوام
وزوال فوت الفوات بوعد الخلود يدل عَلَى كمالهم في التنعم والسرور.
قوله: (وتقديم الظَّرْف للاخْتصَاص والاهتمام به) ولرعاية الفاصلة ولا تزاحم بين النكات.
قَوْلُه تَعَالَى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي
كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)
قوله: (النفخة الأخيرة لقوله:(وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي
الْأَرْضِ)النفخة الأخيرة وهي النفخة الثاية إذ الآية المستشهد بها مصرحة
بذلك؛ لأن الْمُرَاد بالفزع الخوف من أهوال يَوْم الْقيَامَة، كَمَا صَرَّحَ به المفسرون حتى قال
صاحب الإرشاد في تفسير الآية المستشهد بها: وقيل الْمُرَاد هي النفخة الأولى ثم قال: ولا
ريب في أن ذلك مما يَنْبَغي أن ينزه ساحة التنزيل عن أمثاله. فظهر ضعف ما قاله صاحب
الكَشَّاف من أن الْمُرَاد بالنفخة الأخيرة هي النفخة الأولى إذ الآية المستشهد بها مصرحة
بذلك والوصف بالأخيرة لأنها تقع في آخر أيام الدُّنْيَا. وهذا غريب جدًا.
قوله: (أو الانصراف إلى النار أو حين يطبق على النار أو يذبح الموت) [عَلَى صورة
كبش أملح]الانصراف إلَى النَّار أي انصراف المستحقين بالعذاب فالفزع الذهاب بسرعة
لسوقهم إلَى النَّار ولشدة الهول فإطلاق الفزع عَلَى هذا لكونه سبب الفزع أو سبب الفزع
ولنوع بعده أخَّره، وكذا الْكَلَام فيما يليه فإن تطبيق النَّار وذبح الموت يكون سببًا للفزع
والْمُرَاد بتطبيق النَّار تغليقها عَلَى من في النَّارـ أو جعل أهل النَّار في تابوت من نار كما مر [في]
الرّوَايَة [عن] ابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه - الظَّاهر أن الْمُرَاد بالحزن الخوف مَجَازًا؛ إذ
الحزن عَلَى الواقع فيما مضى والخوف عَلَى المتوقع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو حين يطبق عَلَى النَّار أو يذبح الموت. من رواية البخاري ومسلم والترمذي عن أبي
سعيد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ [فَيَشْرَئِبُّونَ] "
وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ فَيُذْبَحُ بين الجنة والنار ثم يقول يَا أَهْلَ
الْجَنَّةِ خُلُودٌ [فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ] "الْحَديث قال صاحب النهاية الأملح الذي"
بياضه أكثر من سواده. وقيل هُوَ [النقي] البياض.