أن تسميته ظلمًا اسْتعَارَة لا حَقيقَة لأنه لو فعله غيره لكان ظلمًا لتصرفه في ملك غيره بغير
حق، وأما ما وقع منه تَعَالَى فتصرف في ملكه كَيْفَ ما يشاء فشبه الهيئة المأخوذة من فعل الله
تَعَالَى عبده بدون استحقاق لو كان بالهيئة المنتزعة من الْإنْسَان وفعل غيره بِغَيْرِ حَقٍّ
فاستعمل اللَّفْظ الموضوع للمشبه به في المشبه والظلم وإن كان منفيًا هنا كان اسْتعَارَة أيضًا
لأن النفي تابع للإثبات كما مَرَّ في بيان قَوْلُه تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ لا يستحيي أن يضرب)
الآية.
قوله: (كالابتلاء) فإنه إذا استعمل في شأنه تَعَالَى كقَوْله تَعَالَى: (ولنبلونكم بشيء)
الآية. تكون اسْتعَارَة تمثيلية فكذا هنا.
قوله: (والاختبار) أي الامتحان عطف تفسير للابتلاء.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى
بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)
قوله: (أَفَرَأَيْتَ) أي أنظرت فرأيت فعلمت أو أبصرت مُبَالَغَة والاسْتفْهَام للتعجيب
فإن هذا أمر يتعجب منه غاية التعجب. قوله اتخذ أي جعل إلهه أي معبوده هواه. إلهه مَفْعُوله
الثاني وهواه مَفْعُوله الأول قدم للاهتمام به، ولو جعل الإله مَفْعُوله الأول وهواه مَفْعُوله
الثاني لكان أبلغ.
قوله: (ترك متابعة الهدى إلَى مطاوعة الهوى) هذا ثابت باقتضاء النص. قوله إلَى
مطاوعة الهوى متعلق بترك بتضمين معنى القصد.
قوله: (فكأنه يعبده) إشَارَة إلَى أنه اسْتعَارَة تمثيلية لكن المشبه به مفروض.
قوله:(وَقُرئَ «آلهة هواه» لأنه كان أحدهم يستحسن حجرًا فيعبده فإذا رأى أحسن منه
رفضه إليه)وَقُرئَ آلهة بصيغَة الجمع فالهوى بمعنى المهوي والإفراد لأنه أريد به الجنس
أو لأنه مصدر في الأصل. قوله رفضه أي تركه كأنه اتخذ آلهة متعددة فالرفض لا ينافي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وتسمية ذلك ظلمًا ولو دخل الله لم يكن ظلما؛ لأن الظلم هُوَ التصرف في ملك الغير وفعل الله
تصرف في ملكه فلا يسمى ظلمًا حَقيقَة لكن تسميته ظلمًا إنما هي عَلَى سبيل الفرض والتقدير يعني
لو كان فاعله غير الله لكان ظلمًا منه فيكون اسْتعْمَال الظلم فيه عَلَى سبيل الاسْتعَارَة تشبيهًا لفعله
هذا بالظلم كلفظ الابتلاء والاختبار فإنه في حق الله تَعَالَى مجاز مُسْتَعَار لأن حَقيقَة الابتلاء لا
يتصور في الله تَعَالَى؛ إذ الابتلاء والامتحان إنما يتصور فيمن خفي عليه الأمور واحتاج إلَى امتحانها
وعلام الغيوب لا يحتاج في العلم بالأمور إلَى الابتلاء والامتحان يلزم المصير إلَى الْمَجَاز فمعنى
قَوْلُه تَعَالَى (ليبلوكم أيكم أحسن عملًا) وأمثاله ليعاملكم معاملة المختبر في أمر.
قوله: لأنه كان أحدهم يستحسن حجرًا يعبده. وفي التيسير كانوا في الجاهلية يعبدون ما
يستحسنون فإذا استحسنوا غيره تركوا الأول وعبدوا الثاني فإنما كان أحدهم يعبد ما يهواه فعلى
هذا يكون الهواء مصدرا بمعنى الْمَفْعُول أي يجعل إلهه مهويه كقولك: فلان رجائي أي مرجوي.