أَحَدِهِمْ) الآية. والتأويل في مثله خارج عن الإنصاف. فإن قيل ما هذه الفاء؟ قلنا
فاء اعتراضية كالواو الاعتراضية قال الشاعر:
واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْء يَنْفعُهُ ... أَنْ سَوْفَ يَأتِي كلُّ مَا قُدرا
[وقد] صرح الثقات بأن الفاء اعتراضية والْقَوْل بأن الفاء جزائية والتقدير وإذا قلنا لك
ما ذكرنا فافهم ضعيف جدًا ؛ إذ الْجُمْلَة أي جملة بشرهم، وجملة فافهم اعتراضية فما معنى
كون الفاء جزائية، والْقَوْل بأن فافهم مؤخر عن الْجُمْلَة بحسن التقدير ؛ إذ هُوَ في معنى قولك
زيد رجل صالح أشنع من الأول ؛ إذ هُوَ مستلزم لانتفاء الْجُمْلَة المعترضة فإن مثل هذا
التأويل ممكن في كل مَوْضع ولذلك قيل الخبر (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا)
وفوات ما للإسلام من الفوائد الدنيوية (والْآخرَةِ) لسقوط الثواب لأن لهم اللعنة
والخزي في الدُّنْيَا والعذاب في الْآخرَة (وما لهم من ناصرين) اخْتيرَت الْجُمْلَة
الاسمية لبطلان ما تخيلوه لتأكد ولنفي النصرة عنهم عَلَى الدوام ولذلك أكد النفي بـ مِن .
قوله: (يدفع عنهم العذاب) إذ النصرة مختصة بدفع المضرة كما في قَوْله تَعَالَى:
(وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) والْجُمْلَة تذييلية مقررة لما قبلها .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
قوله: (أي التَّوْرَاة) فاللام للعهد بقرينة ما بعده (أو جنس الكتب السماوية) فاللام
للاسْتغْرَاق، ولما كان اسْتغْرَاق المفرد أشمل اخْتيرَ الْكتَاب عَلَى الكتب، فالأولى أو جنس
الْكتَاب فيدخل أصحاب التَّوْرَاة دخولًا أوليًّا، فلا يقال إنه لا يلائم قوله(يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ
اللَّهِ)الآية .
قوله: (ومِنْ لِلتَّبْعِيضِ) أي عَلَى إرادة الجنس (أو البيان) إن حمل عَلَى التَّوْرَاة
يحتمل التعظيم وهو الراجح لأنه يفيد أنهم مع ما معهم من الحظ العظيم والنفع الجسيم
يخالفون أمر الله تَعَالَى (وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير) وجه التحقير أنهم من
كانوا معهم من الحظ القليل إذا تأملوا وصقلوا العقل ينقادون إلَى أمر الله ورسوله فما ظنكم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وتنكير النصب يحتمل التعظيم والتحقير. أما التعظيم فظاهر، وأما التحقير فباعْتبَار أن
نصيبهم من كتاب التَّوْرَاة [التولي] عن قبول ما فيها والحرمان بالنصيب تهكمًا .