قوله: (بل جاءهم بالحق) الآية. إشَارَة إلَى أن جميع ما ذكر
باطل إلا عدم التدبر .
قوله: (لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم فلذلك أنكروه) أي ولأجل مخالفته أهواءهم
الفاسدة أنكروه ولم يتدبروه .
قوله:(وإنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الإِيمان استنكافًا من توبيخ
قومه أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا كراهة للحق)وأظهر الحق لكمال التقرر أو للتعظيم
وإظهار شرفه وقبل الثاني مغاير للأول ؛ إذ اللام في الأول للعهد وفي الثاني للجنس وهو
ضعيف؛ لأنه أعيد معرفة فهو عين الأول ولا داعي للعدول عنه ؛ إذ كراهة الحق المعين
مستلزم لكراهة جنس الحق لو سلم كون اللام في الأول للعهد. قوله لا لكراهته للحق ولك
أن تقول إن كراهة الحق عدم الرضاء به وتنفر الطبع عنه، وفي ترك الإيمان استنكافًا كراهة
الحق أَيْضًا فالأكثر بمعنى الجميع، كَمَا صَرَّحَ بمجيئه بهذا الْمَعْنَى في سورة [سبأ] .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ
بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)
قوله: (بأن كان في الواقع آلهة شتى) هذا عَلَى الفرض والتقدير كفرض سائر
المحالات، والْمُرَاد بالحق ما هُوَ الواقع في نفس الأمر لكن الظَّاهر من قوله كَمَا سَبَقَ تقريره
في قَوْله تَعَالَى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ) الآية. كون الْمُرَاد بالحق هُوَ الله تَعَالَى، والْمُرَاد بالاتباع
ما هُوَ لازمه لا حقيقته ولازمه هُوَ الاجتماع معهم ولو أُريد بالحق ما يطابق الواقع لا يعرف
وجه قوله بأن كان في الواقع آلهة .
قوله: (كَمَا سَبَقَ تقريره في قوله:(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو لقلة فطنته وعدم فكرته. يعني أن كراهة الحق إنما يكون بعد معرفة الحق فيجوز أن
يكون بعضهم بليدًا مسلوب الفطنة غبيًا عديم الفكرة فلذا لا يعرف الحق فإذا لم يعرفه لم يكرهه.
قال صاحب الانتصاف: جعل من ترك الإيمان تقليدًا لآبائه [وثقة] من قومه غير كاره للحق غير صريح
لأن من أي شيئاً كره ضده فلما أحبوا البقاء عَلَى كفرهم كرهوا الانتقال عنه وهذا عين كراهة
الحق. وقال الطيبي رحمه الله: في جوابه: من امتنع عن الْإسْلَام بمجرد التقليد لا يكون إلا محبًا له
في نفسه غير كاره إياه ومبغضًا لضده وهو الكفر. وقال صاحب الانتصاف: والأحسن أن يعود الضَّمير
في وأكثرهم إلَى الجنس بجملته كقوله: (وما كان أكثرهم مُؤْمنينَ) (وما أكثر النَّاس
ولو حرصت بمُؤْمنينَ). وقال الطيبي: هذا مردود لما يلزم منه الاخْتلَاف في الضمائر، فالأولى أن يراد
بالأكثر الكل كما يراد بالقليل النفي. قوله وقليل (لو اتبع الحق أهواءهم) وانقلب
باطلًا لذهب ما قام به العالم. وهذا التَّفْسير مبني عَلَى أن يكون الْمُرَاد بالحق العدل فإن العدل به قام
أمر النظام. قوله أو لو اتبع الحق الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - هذا الوجه مبني عَلَى أن يكون الألف
واللام في الحق للعهد والمعهود ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - بخلاف الوَجْهَيْن الأولين فإنهما عَلَى أن
يكون الألف واللام فيه للجنس.