قوله: (إذ المقصود منه نفي قولهم(إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) (أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ
جِنَّةٌ)لا تعداد فضلهما والموازنة بَيْنَهُمَا) نفي قولهم هذا النفي مُسْتَفَاد من
كونه قول رسول كريم أي قول الله تَعَالَى أنزل إليه بواسطة ملك كريم لا قول بشر ولا
افتراء عَلَى الله تَعَالَى قوله: (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) أي المقصود من هذا الْكَلَام نفي
قولهم: (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) أي ما سيق له الكلام ذلك لا تعداد فضلهما الخ. بقرينة
القسم والتَّأْكيدات في قوله: (إنه لقول رسول كريم) فإن تعداد
فضلهما لا يناسب مثل هذه التَّأْكيدات، وإنَّمَا لم يكتف بقوله: (إنه لقول رسول كريم)
مع أن هذا القدر يكفي في هذا المقصود؛ إذ المقصود أولًا وبالذات بيان
حقية الْقُرْآن المنزل الناطق بالوحدانية وإبطال الشرك وشدة أهوال يَوْم الْقيَامَة فلا جرم
أن هذا يقتضي أن يصف الرَّسُول المنزل الْقُرْآن بصفات حميدة شريفة وأن يبالغ فيها
حتى يتبين باهرًا حقية الْقُرْآن، وهذا الغرض لا يقتضي أن يبالغ في وصف من أنزل عليه
الْقُرْآن فالأول يناسب الْإطْنَاب والثاني الإيجاز، ولو عكس أو أطنب فيهما أو أوجز فيهما
لاختل البلاغة، عَلَى أن صاحبكم يدل عَلَى صفات كثيرة لما عرفت أن التَّعْبير بالصاحب
لإفادة أنكم عارفون محاسنه ومناقبه بحَيْثُ لا يضبطه القلم ولا يحيط به الْكَلَام، لكن
فرط الحسد ألجأكم إلَى هذا البهتان باللسان مع تحقق خلافه في الأذهان واللَّه المستعان
وعليه التكلان. وأما الْقَوْل بأنه لو سلم ذلك كان مدحًا بليغًا في حقه لأن الملك إذا
أرسل لأحد من هُوَ معزز معظم لديه دل عَلَى أن المرسل إليه بمكانة عنده ليس فوقها
مكانة فسخيف لأنه قد يرسل إلَى أحد من هُوَ معزز معظم عنده مع أن ذلك الأحد دون
الرَّسُول لمصلحة اقتضته ولحكمة دعته كالاعتماد عليه دون غيره مثلًا فقوله دل عَلَى أن
المرسل إليه الخ. إن أراد الدلالة الظنية فلا يفيده، وإن أراد الدلالة القطعية فغير مسلم
واستوضح ذلك بإرسال الرسل عليهم السلام إلَى الأمة فلا تغفل.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ(23)
قوله (ولقد رأى رسول الله جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَلَى صورته الملكية. قيل ما رآه أحد
على صورته سوى نبينا عَلَيْهِ السَّلَامُ فإنه رآه مرتين مرة في السَّمَاء ومرة في الْأَرْض. رآه رسول الله
عَلَيْهِ السَّلَامُ قد ملأ الأفق [بكَلْكَلَة] رجلاه في الْأَرْض ورأسه في السَّمَاء جناح له بالمشرق وجناح
له بالمغرب وهذه الْجُمْلَة عطف عَلَى (ما صاحبكم بمجنون) وهو عطف عَلَى
[ (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) ] هُوَ جواب القسم حَقيقَة أو صورة وهذا منقبة عظيمة له عليه
السلام مؤيد لما قبله من رد الكفرة.
قوله: (بمطلع الشمس الأعلى) والأعلى صفة المطلع أراد به وسط السماء فإنه أعلى
مكان [تطلع] الشمس كل يوم فيه فالصّفَة ليست احترازية. وقيل هُوَ رأس السرطان فتكون
احترازية أفق السماء ناحيتها، لكن الْمُفَسّرينَ أجمعوا عَلَى أن الْمُرَاد مطلع الشمس كما نبه
عليه الْمُصَنّف لأن المبين يناسبه لا للأفق الْمَذْكُور فإنه لا مدخل له في تبيين الأشياء