الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ من أفرى لما في الصحاح من أفرى معناه قطعه عَلَى جهة الإفساد وفراه
قطعه عَلَى جهة الإصلاح لما في القاموس من أن فرى قطع عَلَى جهة الإفساد أَيْضًا
والْمُصَنّف اختار ما في القاموس وهو يلائم معناه الْمُرَاد هنا وهو كونه بديعًا منكرًا؛ إذ فيه
قطع معنوي عن العادة وقطع الولد عن النسب وهو قطع عَلَى وجه الإفساد
قَوْلُه تَعَالَى: (يا أُخْتَ هارُونَ مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28)
قوله:(يعنون هارون النبي عليه الصلاة والسلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة
الأخوة)من كان معه أي مع هارون عَلَيْهِ السَّلَامُ في طبقة الأخوة يعني أنها وصفت بالأخوة
لكون وصف سلفها من الأب أو الأم أو كلاهما الأبعد هذا وصف بطَريق الْمَجَاز، فعلى هذا
لا تكون مريم في نسل هارون ولا بد من النُّكْتَة في تَخْصيص هارون عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ إذ يصح
لهم أن يقولوا يا أخت مُوسَى مثلًا والْقَوْل الثاني وهو كونها من نسل هارون أظهر لكن
مرضه ولا يعرف وجهه.
قوله: (وقيل كانت من نسله وكان بَيْنَهُمَا ألف سنة) أي هارون أطلق عَلَى نسله كهاشم
وتميم، والْمُرَاد بالأخت أنها واحدة منهم كما يقال أخا العرب صرح به الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى:
(وإلى عاد أخاهم هُودًا) الآية. فهارون اسم قبيلة ومريم واحدة منهم.
قوله:(وقيل هو رجل صالح أو طالح كان في زمانهم شبهوها به تهكمًا أو لما رأوا
قبل من صلاحها أو شتموها به)رجل صالح هُوَ الْمَذْكُور في الكَشَّاف قوله شبهوها به أشار
به إلَى أن الأخت تستعمل في معنى المشابهة مثل قَوْلُه تَعَالَى: (إنما الْمُؤْمنُونَ إخوة)
الآية. شبه الاتصال في الصَّلَاح بالاتصال في النسب فذكر اسم المشبه به
وأريد المشبه اسْتعَارَة تهكمًا مثل قَوْلُه تَعَالَى: (فبشرهم بعذاب أليم) أو
لما رأوا قبل من صلاحها فلا تهكم لكن رَجَّحَ الأول لأن الاعتبار حال إتيان الولد فلا
صلاح لها حِينَئِذٍ عَلَى زعمهم. قوله أو شتموها به عَلَى أنه طالح؛ إذ التشبيه بالفاسق شتم
وعلى كل تقدير يظهر وجه تعبيرهم بـ أخت هارون بعد التَّعْبير باسمها مريم.
قوله:(تقرير لأن ما جاءت به فري وتنبيه عَلَى أن الفواحش من أولاد الصَّالحينَ
أفحش)أي هذه الْجُمْلَة تذييلية مقررة لمنطوق ما قبلها. قوله لأن ما جاءت به تنبيه عَلَى أن
(لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) من قبيل الحذف والإيصال أي لقد جئت بشيء فري. قوله أفحش لأن
خطر الخطير أخطر وذمه وعذابه أوفر.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(29)
قوله: (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ) الفاء للتعقيب مع السببية إلَى عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ وقد كلمها عيسى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تقرير لأن ما جاء ت به فري. أي بديع فإن الفحش من نسل من يفعل الفواحش ليس
ببديع، وإنما البديع صدوره من أولاد الصالحين فهذا هُوَ وجه تقريره له.