قوله: (المحسن، وقرأ نافع والكسائي «إِنَّهُ» بالفتح) أي بفتح همزة «إِنَّهُ» بتقدير لام الجار
وترك العطف في الموضعين لأنه تعليل لما قبله قدم الأول لأنه السبب الأصلي؛ لأن الْعبَادَة
عامة للتوحيد أو عبارة عنه وإحسان الله تَعَالَى ورحمته للموحد خاصة. الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: كثير
الإحسان؛ إذ البر من صيغ المُبَالَغَة أَيْضًا، ولم يعطف الثاني عَلَى الأول تنبيهًا عَلَى استقلاله
في العلية (الكثير الرحمة) .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ(29)
قوله: (فاثبت عَلَى التذكير) أوله لئلا يلزم تَحْصيل الحاصل لأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ مذكر
قبل هذا الأمر.
قوله: (لا تكترث بقولهم) أي لا تبال من الاكتراث بقولهم إنه ساحر أو شاعر.
وهذا الْقَوْل وإن لم يذكر هنا لكن لكمال شهرته تعرض له. أو الْمُرَاد قولهم: إنه كاهن أو
مجنون كما نبه عليه صاحب الكَشَّاف بقرينة ما بعده، والقرينة قد تكون مؤخرة، كَمَا صَرَّحَ
به الفاضل عبد الرحمن الآمدي. والفاء في (فما أنت) للتعليل(بنعمة
ربك)حال والعامل فيها معنى النفي كذا قاله المص في سورة [ (ن) ]
والْمَعْنَى انتفى عنك الجنون والكهانة منعمًا. وقيل إنه قسم بين المحكوم عليه والمحكوم
به للمُبَالَغَة في انتفاء الوصف الذميم.
قوله: (بحمد الله وإنعامه) أي ذكر نعمة ترغيب للحمد عليها والنعمة بمعنى الإنعام
ظاهره جمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز لكن الحمد مفهوم من فحوى الْكَلَام عَلَى أن الجمع
الْمَذْكُور جائز عند الْمُصَنّف.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بحمد الله وإنعامه. إشَارَة إلَى أن (بنعمة ربك) حال مقدم عَلَى عاملها وهو
كاهن أو مجنون، والباء الزائدة في (بكاهن) لا يمنع من العمل والحال معمول الْفعْل
المنفي لا المثبت. الْمَعْنَى: ما أنت بكاهن وكاذب منعمًا عليك بل أنت بحمد الله نبي صادق منعمًا عليك.
ولا أنت بمجنون [منعمًا] عليك بل أنت بحصافة العقل والشهامة بمكان منعمًا عليك فإنك إذا قلت: الْفعْل
المنفي مقيد بقيد مَخْصُوص لزم منه إثبات فعل مضاد له مقيد بذلك القيد نحو قوله:
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره
على أحد وجهيه وهو أن يكون هناك منار لا يهتدى به، والوجه الثاني وهو أن معناه لا منار
هناك ولا اهتداء به، وهو ليس نظير ما في الآية. قال صاحب الكَشَّاف في سورة (ن) : فإن قلت: بم
يتعلق الباء في (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) وما محله؟ قلت: يتعلق بمجنون منفيًا، كما يتعلق بعاقل مثبتًا
في قولك: أنت بنعمة الله عاقل، مستويا في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك: ضرب زيد
عمرًا، وما ضرب زيد عمرا: تعمل الفعل مثبتًا ومنفيًا إعمالًا واحدًا، ومحله النصب على الحال، كأنه
قال: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك، ولم تمنع الباء أن يعمل مجنون فيما قبله؛ لأنها زائدة لتأكيد
النفي. والمعنى، استبعاد ما كان ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسدًا، وأنه من إنعام الله عليه [بحصافة]
العقل والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوّة، [بمنزل] . وقال محيي السنة إنك لا تكون مجنونًا وقد أنعم