فإن مثل وغير مع ما وأن المخففة والمشددة جوزوا بناءهما عَلَى الفتح كالظروف
الْمُضَافة إلَى المبنى وجوزوا أيضًا إعرابهما وعن هذا ذهب بعضهم إلَى كونه منصوبًا عَلَى
أنه صفة مصدر مَحْذُوف أي إصابته مثل إصابة قوم نوح والْفَاعل مضمر يعود إلَى العذاب
المفهوم أي إن يصيبكم هُوَ ولم يرض به المص لأنه تكلف مستغنى عنه إن الْفَاعل هُوَ مثل
لتبادر الذهن إليه بلا تأمل. قوله منها الضَّمير راجع إلَى وجناء وهي الناقة إلا وقال جمع وقل
وهي الحجارة أي غصون ثابتة بأرض ذات حجارة أو شجرة المقل أو ثمره، والْمُرَاد أن
سماعها صوت الحمام عَلَى بعد شدة حسها يفزعها فيمنعها من الشرب أو يطربها فيلهيها
عنه وهذا هُوَ الظَّاهر ؛ إذ الإبل شديدة الحنين إلَى الأصوات الحزينة. وقيل إن فيه قلبًا أي لم
يمنعها من الشرب، والشاهد في غير فإنه مبني عَلَى الفتح مع أنه فاعل لم يمنع(زمانًا أو
مكانًا فإن لم تعتبروا بمن قبلهم فاعتبروا بهم، أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوي فلا
يبعد عنكم ما أصابهم، وإفراد البعيد لأن المراد وما إهلاكهم أو وما هم بشيء بعيد، ولا يبعد
أن يسوي في أمثاله بين المذكر والمؤنث لأنها على زنة المصادر كالصهيل والشهيق).
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ(90)
قوله:(عما أنتم عليه. [إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ] عظيم الرحمة للتائبين. [وَدُودٌ] فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل
البليغ المودة بمن يوده، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وإفراد البعيد مع تذكيره جواب عَمَّا يسأل ويقال إن قوله (ببعيد) لم
يرد بحسب الظَّاهر عَلَى ما يقتضيه قوم فإنه إن حمل عَلَى لفظه يقتضي أن يقال ببعيدة لأن القوم
مؤنثه كما في قَوْله تَعَالَى: (كذبت قوم نوح) وإن حمل عَلَى معناه يقتضي أن
يقال ببعداء عَلَى الجمع لأن معناه جمع فعلم من قول المص مع تذكيره أن الأصل في القوم أن
يؤنث وإذا حمل عَلَى التذكير إلَى تأويل المُسْتَفَاد من كلام الْجَوْهَريّ في الصحاح خلافه حيث قال
إن القوم يذكر ويؤنث لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كان للآدميين يذكر ويؤنث
مثل رهط ونفر وقوم قال تَعَالَى: (وكذب به قومك) .
قوله: لأنها عَلَى زنة المصادر يعني لم يطابق مَوْصُوفه لكونه مشابهًا في الصيغة بالمصادر
فحمل هُوَ عليها في حكم عدم التطابق .
قوله: فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده. هذا إشعار بأن ذكر
الودود بعد ذكر الرحيم واقع موقع التعليل لوصفه تَعَالَى بالرحمة البالغة فإن قوله فاعل بهم من
اللطف والإحسان، معنى الرحيم الدال عَلَى أنه تَعَالَى بليغ الرحمة لمن استغفر وتاب لكأنه قيل بليغ
الرحمة لمن تاب لأنه بلغ المودة لمن يوده ومقتضى المودة البالغة اللطف والرحمة .
قوله: وهو وعدٌ عَلَى التَّوْبَة أي قوله عز وجل: (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) بعد قوله:
(واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) وعد للمستغفر التائب بالرحمة المبالغة والإحسان بعد
الوعيد عَلَى المعرض المصر عَلَى الذنب بقوله عز وعلا: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ
مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) .