والْمُرَاد بالموصول من آمن منهم إما لكون الموصول للعهد، أو عام خص منه الْمُؤْمنُونَ
بقرينة خبره، والقصر المُسْتَفَاد من ضمير الفصل إضافي بالنسبة إلَى الْمُشْركينَ المصرين عَلَى
الكفر أو هُوَ للاهتمام، وكذا الْكَلَام في تقديم به عَلَى يُؤْمنُونَ.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ(53)
قوله: (وَإِذا يُتْلى) أي الْقَوْل الكريم هذا بيان لسبب إيمانهم.
قوله: (أي بأنه كلام الله تَعَالَى) لما عرفوا كَذَلكَ من كتابهم آمَنَّا إما إنشاء أو إخبار
لكن المص اختار كونه إخبارًا بقرينة قولهم (إِنَّا كُنَّا [مِنْ قَبْلِهِ] مُسْلِمِينَ) ولذا قيل قَالُوا آمَنَّا، والْمُرَاد
أصحاب التَّوْرَاة كعبد الله بن سلام وأصحاب الْإنْجيل وتَخْصيصه بالأخير ليس بمناسب إلا
على القول بأنهم أربعون من أهل الْإنْجيل (اسْتئْنَاف لبيان ما أوجب إيمانهم به) .
قوله:(اسْتئْنَاف آخر للدلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حِينَئِذٍ، وإنما هو
أمر تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة وكونهم على دين الإِسلام قبل نزول القرآن،
أو تلاوته عليهم باعتقادهم صحته في الْجُمْلَة)أي إجمالًا لأنه لا يمكنهم الإيمان به
تفصيلًا فعلم منه أنه لو أريد بالإيمان الإيمان به تفصيلًا يكون آمَنَّا إنشاء، وأن الْمُرَاد بالإيمان
ما أحدثوه حِينَئِذٍ.
قَوْلُه تَعَالَى: (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ
يُنْفِقُونَ (54)
قوله: (مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالْقُرْآن) أي قبل نزول الْقُرْآن فإن
إيمانهم معتبر بعد إيمان الْقُرْآن.
قوله: (بصبرهم وثباتهم على الإِيمانين، أو على الإِيمان بالقرآن قبل النزول وبعده)
ونباتهم عطف عَلَى صبرهم تفسير له؛ إذ الصبر حبس النفس ومعناه هنا الثبات عليه؛ إذ
الثبات عليه صعب، وأما الدخول فسهل، ولذا وعد الأجر مرتين عليه دون الدخول.
قوله: (أو عَلَى أذى من هاجرهم من أهل دينهم ومن المشركين) هاجرهم أي عاداهم
أخَّره لأن الصبر عَلَى الإيمان والثبات عليه مشكل بخلاف الصبر عَلَى الأذى، وَأَيْضًا الأجر
مرتين يلائم الأول عَلَى ما فسر به فحِينَئِذٍ [تكون] التثنية لمجرد تكرار الصبر منهم عَلَى الأذى