قوله: (أو ناميًا عَلَى الخير أي مترقيًا من سن إلَى سن عَلَى الخير والصَّلَاح) أي
الزكاء في الأصل النماء والزّيَادَة واسْتعْمَاله في الطهارة لكونه نماء معنويًا وهو مستلزم
للأول كعكسه فهما متلازمان .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا(20)
قوله: (قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ) اسْتئْنَاف بياني لما استأنست
وزال ما خطر ببالها لفهمها بأنه رسول بالقرينة القوية أو إلهام من الله تَعَالَى:(قالَتْ
أَنَّى يَكُونُ لِي)الآية. تعجبًا أو استبعادًا عاديًا أو اسْتفْهَام عَلَى أن يكون
بتزوج أو غيره .
قوله: (ولم يباشرني رجل بالحلال) ذكرتها لأنه منشأ التعجب والاستبعاد وهو يؤيد
كون الاسْتفْهَام للتعجب أو الاستبعاد العادي والواو للربط لكونها حالًا .
قوله: (فإن هذه الكنايات) تعليل لتَقْييده بالحلال، وإنَّمَا جمع الكنايات مع أنها واحدة
هنا تنبيهًا عَلَى أن لها نظائر كـ لامستم النساء وبنى بها ودخل بها. لكن المُتَعَارَف فإن هذه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإن هذه الكنايات إنما تطلق فيه. أي هذه الكنايات التي هي المس والمجامعة
والوقاع والوطء وأمثالها إنما تستعمل في الحلال لا في الحرام، والمستعمل في الحرام لفظ
الزنا [والبغاء] وأمثالهما فيقال في الْإخْبَار عن فعل الزاني زنى بها أو أفجر بها وخبث بها وليس
يليق عند الْإخْبَار عنه أن يراعى فيه هذه الكنايات والآداب. قال الإمام: [لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ قَوْلُهَا: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَدْخُلُ تَحْتَهُ قَوْلُهَا: (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) فَلِمَاذَا أَعَادَتْهَا وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا السُّؤَالَ أَنَّ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ) فَلَمْ تَذْكُرِ الْبِغَاءَ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا جَعَلَتِ الْمَسَّ عِبَارَةً عَنِ النِّكَاحِ الْحَلَالِ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْهُ لِقَوْلِهِ: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) وَالزِّنَا لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا يُقَالُ فَجَرَ بِهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَا يَلِيقُ بِهِ رِعَايَةُ الْكِنَايَاتِ. وَثَانِيهَا: أَنْ إِعَادَتَهَا لِتَعْظِيمِ حَالِهَا كَقَوْلِهِ: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) وَقَوْلُهُ: (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) فكذا هاهنا أَنَّ مَنْ لَمْ تُعْرَفْ مِنَ النِّسَاءِ بِزَوْجٍ فَأَغْلَظُ أَحْوَالِهَا إِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ أَنْ تَكُونَ زَانِيَةً]
ولما كان الوجه الأول من وجهي الْجَوَاب
أدخل في البلاغة اختارها صاحب الكَشَّاف واقتفى أثره المص رحمهما الله، وإنما قلنا الوجه
الأول أدخل في البلاغة لأن قوله: (ولم يمسسني بشر) حال مقررة لجهة
الإشكال وردت عَلَى الكناية عن النكاح الحلال مقرونة بأخرى قصدًا للتقسيم الحاصر فيفيد أن
مظنة حصول الولد عرفًا لا يكون إلا بطَريق النكاح أو السفاح وإذا لم يوجد شيء من هذين
الطريقين كَيْفَ يضور وجوده؟ . فإن قيل: كَيْفَ طابق قولها ، (ولم أك بغيا) قوله:
(لأهب لك غلامًا زكيًا) فإنه نفى كل الريبة بقوله (زكيًا) ؟ قلنا كأنها من فرط تعحبها
وغاية استبعادها نبذت الوصف ظهريًا وأتت بالْمَوْصُوف وأخذت في تقرير نفيه عَلَى أبلغ وجه
أي ما أبعد وجود هذا الْمَوْصُوف مع هذه الموانع كقول امرأة إبْرَاهيمْ(أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا
بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ)حيث غفلت من غاية تعجبها عن نفاذ قدرة الله
فيما لا يساعده الْأَسْباب ولذا نبه الله عليها بقوله: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) .