فالصواب أن قوله: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا) كلام مبتدأ وليس كبرى لسابقه
إذ لو لم يستعمل في فصيح الْكَلَام في الْقيَاس الاقتراني والْكَلَام من قبيل لو لم يخف الله
لم يعصه أي التولي لازم عَلَى تقدير الأسماع فَكَيْفَ عَلَى تقدير عدم الأسماع فهو دائم
الوجود أو الْكَلَام عَلَى أصل لو لأن التولي هُوَ الإعراض عن الشيء وعدم الانقياد له فعلى
تقدير عدم إسماعهم ذلك الشيء لم يتحقق منهم التولي والإعراض عنه ولم يلزم من هذا
تحقق الانقياد وانتفاء التولي إنما يكون خيرًا لو كانوا من أهله بأن أسمعوا شَيْئًا ثم انقادوا له
وأما انتفاء التولي سبب انتفاء الإسماع فلا نسلم كونه خبرًا هذا خلاصة ما في المطول؛ إذ
في الثاني شبهوا بالبهائم في الجهل وعقولهم عَمَّا ينتفعون في عقباهم وفي الأول وإن لم
يشبهوا بهم بل عدوا من أفراد الدابة لكنهم جعل شر كل ما يدب في الْأَرْض من النمل إلَى
الفيل فكان أبلغ من هذه الحيثية.
قوله: ولم ينتفعوا به وارتدوا بعد التصديق والقبول لعنادهم. وقيل كانوا يقولون
للنبي - صلى الله عليه وسلم - أحيي لنا قُصيًا فإنه كان شيخًا مباركًا حتى يشهد لك ونؤمن بك. والْمَعْنَى
لأسمعهم كلام قصي.
قَوْلُه تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)
قوله: (بالطاعة) أي الميعاد بالاستجابة الطاعة والامتثال لا مطلق الإجابة؛ إذ
الاستجابة مختصة بتَحْصيل المطلوب، وأما الإجابة فلكونها بمعنى إعطاء الْجَوَاب فعامة له
ولغيره ولذا اخْتيرَ الاستجابة في النظم الجليل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
لِيُخْبِرُوهُمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا، وَهُوَ انْتِفَاعُهُمْ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ الْأَمْوَاتِ لَأَحْيَاهُمْ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَهُمْ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا الْكَلَامَ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْعِنَادِ والتعنت، وأنه لم أَسْمَعَهُمُ اللَّه كَلَامَهُمْ لَتَوَلَّوْا عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَلَأَعْرَضُوا عَنْهُ. ثم قال الإمام: اعلم أَنَّ مَعْلُومَاتِ اللَّه تَعَالَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: جُمْلَةُ الْمَوْجُودَاتِ. وَالثَّانِي: جُمْلَةُ الْمَعْدُومَاتِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ لَوْ كَانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ. الرَّابِعُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْدُومَاتِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ، وَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ علم بالواقع، والقسمان الثانيان عم بِالْمُقَدَّرِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ، فَقَوْلُهُ: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمُقَدَّرَاتِ، وَلَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الْعِلْمِ بِالْوَاقِعَاتِ]
وأَيْضًا قوله (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) فإخبار عن
المعدوم أنه لو كان موجودًا كَيْفَ يكون حاله قَالُوا إن كلمة لو وضعت للدلالة عَلَى امتناع الشيء
لامتناع غيره فإذا دخلت عَلَى النفي يصير إثباتًا وإذا دخلت عَلَى الْإثْبَات يصير نفيًا فيلزم من قوله
تَعَالَى (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا [لَأَسْمَعَهُمْ] ) أنه تَعَالَى ما أسمعهم لأنه ما علم فيه
خيرًا ومن الثاني (أنهم ما تولوا) لأنه تَعَالَى ما أسمعهم وعدم التولي غير من الخيرات فالابتداء
يقتضي نفي الخير والانتهاء يقتضي إثباته والْجَوَاب أن لو الثانية مجاز لمجرد الاستلزام لا لامتناع
الشيء لامتناع غيره حتى يشهد لك أي يشهد لك قصي بأنك نبي مبعوث من الله.