فإنهم ذهبوا إلَى أن المعرفة لا تحصل بدون معلم والتَّفْصيل في شرح المواقف وضمت
إليها (ما) لتأكيد معنى الشرط ولذلك أكد فعلها بالنون وجوابه .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ(36)
قوله: (والْمَعْنَى فمن اتقى التَّكْذيب) هذا القيد مُسْتَفَاد من مقابله .
قوله: (وأصحلح عمله منكم) إشَارَة إلَى أن العائد مَحْذُوف وكذا الْكَلَام في قوله:
(والَّذينَ كذبوا بآياتنا) منكم ثم الظَّاهر من الآية. أن المكلف انقسم إلَى هذين
القسمين ولم يتعرض للعصاة الموحدين تنشيطًا وتثبيطًا والْقَوْل بدخولها في الأول بعيد .
قوله: (وإدخال الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمُبَالَغَة في الوعد) إذ الفاء يشعر بأن
الاتقاء سبب للفلاح وهو لا يتخلف عن الاتقاء .
قوله: (والمسامحة في الوعيد) حَيْثُ ترك الفاء ولم يتعرض لعدم تخلف العذاب عن
التَّكْذيب والاستكبار مع أن الحال كَذَلكَ هنا فالْمُرَاد المسامحة في جنس الوعيد وإلا فقد
يبالغ في بعض المواضع بأنواع التَّأْكيد والتشديد في التهديد .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ(37)
قوله: (ممن تقوَّل عَلَى الله ما لم يقله) حيث قال (والله أمرنا بها) ونحوه خص به مع أن
الافتراء قد يطلق عَلَى غير الْقَوْل لتبادره ولاقتضائه المقام .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولذلك أكد فعلها. أي فعل حرف الشرط فتأنيث ضميره لكونه عبارة عن كلمة إن في
إمَّا فإن أصله إن ما فأدغم الميم في الميم بعد قلب النون ميمًا ولفظ (ما) مزيدة لتأكيد وجه التَّأْكيد
أنها تفيد زيادة عموم فقولك إما تفعلن معناه إن اتفق وجود الْفعْل بوجه من الْوُجُوه وكَذَلكَ أكد
فعلها بالنون أي ولأن ما تفيد التَّأْكيد يلزم اللام النون في القسم إذا قلت والله ليفعلن كأنهم لما
قصدوا التأكيد في شرط أو قسم وكل منهما خطير التزموا زيادة تأكيد .
قوله: وأصلح عمله منكم (والذين كذبوا بآياتنا) منكم تقدير منكم في
الموضعين لربط الْجَزَاء بالشرط .
قوله: للمُبَالَغَة في الوعد والمسامحة في الوعيد. نشر عَلَى ترتيب اللف أي إدخال الفاء في(فلا
خوف عليهم)للمُبَالَغَة في الوعد وترك الفاء في (أُولَئكَ أَصْحَابُ النَّار) للمسامحة في
الوعيد وجه ذلك هُوَ دلالة الفاء عَلَى لزوم الْجَزَاء للشرط وتركه عَلَى عدم اللزوم فدلا عَلَى أن الله
سبحانه منجز وعده ومسامح في وعيده بمقتضى قوله:"سبقت رحمتي غضبي"كما قيل:
وإنِّي إذا أَوْعَدْتُهُ أَو وَعَدْتُهُ ... لمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي
قوله: تقوَّل من التقول بمعنى الافتراء .