الْآخرَة عَلَى الالْتفَات لمزيد التوبيخ وفرط التقريع أو عَلَى إضمار قل فلا التفات، أخَّره لأن
التقدير خلاف الظَّاهر مع فوت المُبَالَغَة في الالْتفَات.
قوله: (أو للكل فإن السعي للدنيا أكثر في الْجُمْلَة. وقرأ أبو عمرو بالباء) أو للكل أي
لكل النَّاس عام خص منه البعض وهم الْأَنْبيَاء والأولياء والصديقون والمخصص هُوَ النص
الدال عَلَى عصمتهم من ذلك أشار إليه الْمُصَنّف بقوله أكثر في الْجُمْلَة وكون المخصص هو
العقل ضعيف، وعلى هذا الالْتفَات أَيْضًا، أخَّره لأنه احتمال بعيد فإن السعي في الدُّنْيَا وإن
سلم بدون غرض صحيح غير الإيثار والْمَذْكُور الإيثار دون السعي فلا ريب في كون هذا
الاحتمال ضعيفًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(17)
قوله: (فإن نعيمها ملذ بالذات خالص عن الغوائل) فإن نعيمها أي نعيم الْآخرَة وهو
الجنة وما فيها. ملذ بالذات اسم فاعل من [ألذَّ أوجد اللذة] . بالذات لا بواسطة الجوع
والعطش وسائر الأمور العارضة كنعيم الدُّنْيَا فإنه ملذ بالعرض لدفع ألم الجوع والعطش
ودغدغة النطفة [الرديئة] مع عدم شوب الغائلة وهذا بيان الخبرية والتَّفْضيل لأن نعيم الدُّنْيَا له
خيرية في الْجُمْلَة أو من قبيل: الصيف أحر من الشتاء.
قوله: (لا انقطاع له) أي بحسب النوع معنى (وأبقى) وهو إما
بمعنى أصل الْفعْل أو من قبيل: الشتاء أبرد من الصيف. وجملة (والْآخرَة)
الخ. حال من فاعل (تؤثرون) زاجرة عَمَّا كانوا عليه من حب الدُّنْيَا أي
تؤثرونها والحال أن كون الْآخرَة [خيرًا] يقتضي خلاف ذلك وهذه الحال مثل: جاءني زيد
والشمس طالعة. والْمَعْنَى تؤثرونها حال كونكم مقارنة لكون الْآخرَة خيرًا، وبهذا الاعتبار
يوجد بيان هيئة الْفَاعل، ولك أن تقول: والْجُمْلَة استئناف فلا حاجة إلَى التمحل الْمَذْكُور.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى(18)
قوله: (الإشَارَة إلَى ما سبق من(قَدْ أَفْلَحَ) نبه به عَلَى أن إفراد هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو للكل أي أو يكون الخطاب لجميع المكلفين من الْمُؤْمنينَ والْكَافرينَ فكلمة بل
إضراب عن قوله: (قَدْ أَفْلَحَ من تزكى) مبين لسبب الشقاء وهو إيثار الدُّنْيَا عَلَى
الْآخرَة، فورد عليه أنه لا يلزم أن يكون سبب شقاء الكل حب الدُّنْيَا لجواز أن يكون غيره كتقليد
الكفرة لآبائهم وكالاعتقادات الزائغة عن الحق كعقائد الفلاسفة وغيرهم من أهل الزيغ. فأجاب بأن
السعي لأجل الدُّنْيَا أكثر فلذلك خصها بالذكر من بين سائر الْأَسْباب.
قوله: ملذ بالذات خالص عن الغوائل لا انقطاع له. نشر عَلَى ترتيب اللف.
قوله: الإشَارَة إلَى ما سبق من (قَدْ أَفْلَحَ) الإشَارَة بكلمة هذا إلَى ما سبق
من معنى قوله: (قَدْ أَفْلَحَ من تزكى) إلَى آخر الآية.