وقَوْلُه تَعَالَى في مَوْضع آخر (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ(57) .
لا ينافيه فإنه هناك اخْتيرَ الْحَقيقَة وهنا الْمَجَاز والمآل واحدًا لا يرى أن التوفي أسند إلَى ذاته
حيث قال (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) الآية. وأسند إلَى ملائكة الموت
حيث قال: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) الآية. وكون القصة
واحدة لا يضره ؛ إذ حكي في مَوْضع بطَريق الإسناد الحقيقي وفي مَوْضع آخر بالإسناد
المجازي كالتوفي، وإنَّمَا يضره إن قيل بالإسناد الحقيقي في الموضعين وهذا مع كمال
وضوحه شنع عليه بعض المتعصبين وقال فلا مساغ لأن يكون من كلام الملائكة فالَّذينَ
سعوا في توجيه إسنادهم التقدير إلَى أنفسهم بما لا يخلو عن نوع تعسف سعيهم مشكور
انتهى. ولم يدر أن سعيهم مكسور وعملهم مبرور .
قوله: (لما لهم من القرب) إشَارَة إلَى الملابسة اللازمة في الإسناد المجازي .
قوله: (والاخْتصَاص به) عطف تفسير يبين أن القرب معنوي أي أنهم لكونهم وسائط بين
الله تَعَالَى وبين مخلوقه تَعَالَى في تدبير الأمور أسند إليهم ما يستحق أن يسند إليه تَعَالَى.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ(61) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62)
قوله: (فلما جاء) الفاء الفصيحة للعطف عَلَى مَحْذُوف أي(جاء آل لوط المرسلون
فلما جاء)الآية. آل لوط المرسلون الْمُرَاد بالآل نفسه بقرينة قوله:(قال
إنكم)الآية. أو الْمَعْنَى فلما جاء لوط وقومه واستغنى بذكرهم عن ذكره
وقوله: (قال إنكم) من قبيل الاكتفاء بالأصل المتبوع .
قوله: (تنكركم نفسي وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بِشَرٍ) حمل كونهم منكرين عَلَى
إنكار النفس وخوفها وتنفرها عنهم لا عَلَى أنه لا يعرفهم لأن قولهم (بل جئناك) لا يلائمه
فحمل عَلَى لازمه فإن من أنكر شَيْئًا ولم يعرف تنفر عنه ويخاف منه. الظَّاهر أن هذا الخوف
مخافة أن يقصدهم قومه بسوء لأنهم جاءوا عَلَى صورة شاب أمرد كما يدل عليه بيان
الْمُصَنّف في سورة هود وسورة العنكبوت ولو أُريد خوف نفسه كما يشعر به قوله مخافة أن
تطرقوني بشرٍّ لم يبعد فحصل له عَلَيْهِ السَّلَامُ خوفان فاكتفى في أحد الموضعين بأحدهما .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ(63)
قوله: (أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله) أَشَارَ إلَى أن الإضراب عن هذا المقدر
والْمَعْنَى ما جئناك بما تنكرنا لأجله من إيصال شرٍّ إليك من جهة سوء قصد قومك إيانا أو
من جهة إصابة سوء إلَى ذاتك .
قوله: (بل جئناك بما يسرك ويشفي لك من عدوك) هذا مُسْتَفَاد بطَريق اللزوم فإن
العذاب مجيئه مستلزم للسرور والَّذينَ جاءوك بالسرور والتشفي من أعدائك لا يخاف منهم
ولا ينكرون فمآله لا تخف ولا تحزن وبهذا يتضح الارتباط التام بما قبله من الْكَلَام .