المتضادين ؛ إذ السفه جهل فذكر العلم معه جمع بين المتضادين في الْجُمْلَة. وقيل المراد
الْمَعْنَى اللغوي وهو المناسبة لتناسب عدم العلم والسفاهة فهو معنى لغوي يرجع إلَى مراعاة
النظير وهي جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد وهذا بالنظر إلَى النفي والأول إلَى المنفي
والاعتبار للنفي لكونه صريحًا (والتي قبلها بـ لا يشعرون لأنه أكثر طباقًا لذكر السفه) فلا جرم
أن الوجه الثاني أولى، وإنَّمَا قال أكثر طباقًا لأن الشعور لكونه من أقسام الإدراك له طباق
للسفه في الْجُمْلَة وهذا إن لم يعد الشعور وهو إدراك الحواس الظَّاهرَة من العلم وهو
الْمُخْتَار وإن عد منه كما ذهب إليه البعض فالفرق مشكل لكن ميل الْمُصَنّف إلَى الأول .
قوله: (ولأن الوقوف) وجه ثان لاختيار العلم هنا والشعور هناك والوجه ناظر إلَى اللفظ
والثاني إلَى الْمَعْنَى، ولما كان الأول من المحسنات البديعية قدمه أي ولأن الاطلاع(عَلَى أمر
الدين والتمييز بين الحق والباطل مما يفتقر إلَى نظر وتفكر)غير محسوس فيحتاج إلَى نظر ثاقب
وفكر صائب فلذلك فصلت الآية. بلا يَعْلَمُونَ للتنبيه عَلَى أنهم لم ينظروا إلَى ما يؤدي العلم ولم
يلتفتوا له بقوا خائبين ولم يدخلوا في زمرة الْعَالَمينَ، وأما الفتن والفساد الذي نتيجة النفاق فأمر
مشاهد أو في الظهور كالمحسوس فالآية. هناك فصلت بـ لا يشعرون للإشعار بأنهم فاقدون
للحواس فأنى لهم الشعور بالمحسوس فعلم أن نفيه أبلغ في الذم من نفي العلم .
قوله:(وأما النفاق وما فيه من الفتن والفساد فإنما يدرك بأدنى تفطن وتأمل فيما
يشاهد من أقوالهم وأفعالهم)والذكاء شدة قوة للنفس معدة لاكتساب الآراء وتسمى هذه
الْقُوَّة الذهن وجودة تهيئها لتصور ما يرد عليها من الغير الفطنة كذا في أوائل المطول
والْمُرَاد بالتفطن هنا التأمل ولهذا عطف عليه قوله شامل لكونه سببًا للفطنة الْمَذْكُورة .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذَا لَقُوا الَّذينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطينهمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزئُونَ(14)
قوله: (بيان لمعاملتهم) أي بيان معاملتهم بكلا الفريقين معًا وما سبق بيان معاملتهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: ولأنه قد ذكر السفه جواب آخر عن السؤال وهو من باب المطابقة المعنوية ؛ إذ لو كانت
لفظية لقيل لا يرشدون فإن المقابل للسفه هُوَ الرشد أو قيل ألا إنهم هم الجهلاء ليقابل يَعْلَمُونَ. أقول
فرق الرَّاغب بين الشعورين الواقعين في الْآيَتَيْن الأوليين المفصلتين بما يشعرون ولا يشعرون بأن حمل
الأول عَلَى الإحساس والثاني عَلَى الفطنة والمفهوم من كلام القاضي وصاحب الكَشَّاف أن كليهما
بمعنى الإحساس فإن قول القاضي فإن النفاق وما فيه من الفتن والفساد وارد عَلَى طريق اللف والنشر
أي فإن النفاق المدلول عليه بـ يخادعون الآية. وما فيه من الفتن والفساد المدلول عليه بقوله(ألا إنهم هم
المفسدون)فإنما يدرك بأدنى تأمل فهو كالمحسوس فنفى عنهم الإحساس عقيب هاتين
الْآيَتَيْن بما يشعرون ولا يشعرون وكذا الْمَعْنَى في كلام الكَشَّاف .
قوله: فيما يشاهد من أقوالهم واقعًا لهم يعني به أن الفتن والفساد وإن كان أمرا معقولًا لكن
علامته وأماراته أمور محسوسة محسوسا أيضًا فلذا قيل (لا يشعرون) .