مسهم العذاب) فبسَبَب جرمهم كأنه داء [ساقهم] إلَى النَّار قوله (والطاعة) بناء عَلَى أنهم
مكلفون بالفروع.
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ(50)
قوله: (مقدوراته) أي الخزائن التي تحفظ الأشياء النفيسة فيها مجاز عن المقدورات
واسْتعَارَة لها. وجه المشابهة الحفظ مُطْلَقًا أو في تعذر الوصول أو في الفخامة لأنها محفوظة
في القدرة كما أن الأشياء النفيسة محفوظة في الخزائن ثم أطلق الخزائن عَلَى المخزونات
إطلاقًا لاسم المحل أو الحال.
قوله: (أو خزائن رزقه) أي بتقدير الْمُضَاف وهو الظَّاهر بخلوه عن التَّكَلُّف الذي في
الوجه الأول فـ [حِينَئِذٍ] لا اسْتعَارَة فيها وعلى هذا يكون إشَارَة إلَى جواب قولهم:(أو يلقى إليه
كنز)الآية. كما أن الأول إشَارَة إلَى جواب قوله: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ)
الآية.
قوله: (ما لم يوح إلَى) عطف بيان للغيب، والحال أن الْمُرَاد بالْغَيْب ما لم يوح إليه
فإنه يعلم الغيب الذي أوحي إليه (و) أَيْضًا الْمُرَاد به ما (لم ينصب عليه دليل) فإن الغيب
الذي نصب عليه دليل يعلمه عَلَيْهِ السَّلَامُ وغيره كالباري تَعَالَى وصفاته العلية والْقيَامَة
وأحوالها فالْمُرَاد الغيب الذي لا يدركه الحس ولا يقتضيه بديهة العقل ولم ينصب عليه
دليل بالقرينة القوية عَلَى ذلك وهذا هُوَ الْمَعْنَى بقَوْلُه تَعَالَى:(وعنده مفاتح الغيب لا
يعلمها إلا هُوَ)كَمَا صَرَّحَ به المص في أوائل البقرة وليس في كلامه إشَارَة
إلى اجتهاد الْأَنْبيَاء عليهم السلام لأن ما نصب عليه دليل يعلمه غير المجتهد أَيْضًا يرشدك
إليه تَعَالَى: (الَّذينَ يُؤْمنُونَ بالْغَيْب) .
قوله: (وهو من جملة المقول) أي مقول (لا أقول لكم) لا مقول (قل) فكلمة لا في(لا
أعلم)زائدة مؤكدة لنفي لا أقول: ولم يجعل من مقول (قل) كما جعله في سورة هود عَلَى أحد
الاحتمالين لأن المقصور هنا نفي دعوى مالكيته الخزائن ونفي دعوى علم الغيب ليكونا
شاهدين عَلَى نفي دعوى الْأُلُوهيَّة بخلافه هناك (ولا أقول لكم إني ملك) .
قوله: ( [أي] من جنس الْمَلَائكَة) حتى تقولوا [ما] أنت إلا بشر مثلنا أو يقولوا ما لهذا
الرَّسُول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق أقدر ما يقدرون عليه فـ [حِينَئِذٍ] يكون قوله:(إني
ملك)تنبيه بليغ آخره لأن الأول هُوَ الظَّاهر الْمُتَبَادَر، وإنما أعيد (ولا أقول)
لأن مقوله مغاير للمقول الأول بخلاف الغيب فإنه مناسب لقوله: (عندي خزائن الله)
لأنه باطلاع الغيب ولذا لم يعد لفظ (لا أقول) لكن أورد عليه أنه يلزم من
كلامه كون التقدير هكذا ولا أقول لكم لا أعلم الغيب ولا صحة له. والْجَوَاب أن (لا) في(لا
أعلم)زائدة تذكرة للنفي في (لا أقول) كقوله: (ولا الضالين) وله نظائر كثيرة