قَوْلُه تَعَالَى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44)
قوله: (ينزهه عما هو من لوازم الإِمكان وتوابع الحدوث) أي عن جميع السوء .
قوله:(بلسان الحال حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم الواجب
لذاته)ففي قوله [تسبح] اسْتعَارَة تبعية ويحتمل كونه اسْتعَارَة تمثيلية حيث شبه دلالتها
على وجود الواجب لذاته منزه عن سمات النقص وعن لوازم الإمكان والحدوث بالتنزيه
عن ذلك بالمقال في مطلق الدلالة عَلَى ذلك فاستعمل التسبيح الموضوع للتنزيه بالمقال
في الدلالة عليه بلسان الحال ثم اشتق من التسبيح بمعنى التنزيه بلسان الحال اسْتعَارَة
[تسبح] وتقرير الاسْتعَارَة التمثيلية واضح مما ذكرنا وجمع الإمكان والحدوث إشَارَة إلَى
أن علة الاحتياج إلَى العلة المؤثرة هُوَ الإمكان مع الحدوث شرطًا أو شطرًا وهو مذهب
المحققين من الْمُتَكَلّمينَ .
قوله: (أيها المشركون لإِخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم) خص
الخطاب بالْمُشْركينَ أي مطلق الْكَافرينَ بقرينة ما قبله قوله: (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا)
إلَى هنا مسوق لنهيهم وردهم، وبه يندفع إشكال صاحب التوضيح حيث قال
قَوْلُه تَعَالَى: (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) يحقق أن الْمُرَاد هُوَ حَقيقَة
التسبيح لا الدلالة عَلَى وحدانية الله تَعَالَى فإن قَوْلُه تَعَالَى: (لا تفقهون)
لا يليق بهذا وقد صح أن النَّبيّ عليه السلام سمع تسبيح الحصى. مراده أنه لو كان الْمُرَاد
دلالة الحال لفهم كل أحد وقد نفى الله تَعَالَى فعلم منه أن الْمُرَاد حَقيقَة التسبيح فلذا لا
يفقهون. وجه الدفع أن الخطاب مختص بالْكَافرينَ فهم لانتفاء النظر الصحيح لا يفقهون
تلك الدلالة، ولك أن تقول: إن مشركي العرب معترفون بأن الواجب الوجود هُوَ الله تَعَالَى
وبوحدة الصانع الواجب واستناد الجميع إليه تَعَالَى ولا يدعون لآلهتهم وجوب الوجود
والصنع، كَمَا صَرَّحَ به الفاضل السعدي في أواخر سورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمنُونَ) .
في قَوْله تَعَالَى: (وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) الآية. فمعرفة الْمُشْركينَ
لذلك دلالة المخلوقات عليه حيث ما اختاره صاحب التوضيح فتأمل ثم أنصف
وإخلالهم بالنظر الصحيح يؤدي إلَى إثبات الآلهة بمعنى استحقاق الْعبَادَة لا بمعنى الواجب
الوجود وإيجاد الأشياء كما عرفته فإنهم يعرفون بنظرهم انحصار الوجوب والصنع فيه تَعَالَى
وهو معنى تسبيح المخلوقات هنا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بلسان الحال إشَارَة إلَى أن التسبيح مجاز في معنى دلالة الحال عَلَى أنه تَعَالَى منزه عن
النقائص وشوائب الإمكان .