اسْتعْمَال كلمة أن المستعملة في المشكوك في المحقق مبني عَلَى جعل المخاطب كأنه
شاك فيه قصدًا إلَى نسبة الجهل بارْتكَابه الإسراف فإن من عصى الله جاهل حتى ينتزع من
جهالته فصور الشرط بصورة ما يفرض وجوده، وإلى هذا التَّفْصيل أشار الْمُصَنّف بقوله
استجهالًا لهم. أي نسبة الجهل إليهم وهذا مسلك صاحب الكَشَّاف. وقال صاحب
التلخيص: وقد يستعمل أن في مقام الجزم للتوبيخ أي لتعيير المخاطب عَلَى الشرط
وتصوير أن المقام لاشتماله عَلَى ما يقلع الشرط عن أصله لا يصلح أي ذلك المقام إلا
لفرضه أي لفرض الشرط مع أنه محقق ثابت بداهة نحو(أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ
كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ)فإن الشرط وهو كونهم مسرفين أي مشركين مقطوع به لكن جيء
بلفظ أن لقصد التوبيخ عَلَى الإسراف وتصور أن الإسراف من العاقل في هذا المقام يجب
أن لا يكون إلا عَلَى مجرد الفرض والتقدير ولا تعرض هنا لتنزيل المخاطب العالم منزلة
الجاهل لأنه نكتة أخرى مقابلة لنكتة التوبيخ كما لا تعرض في الوجه الأول لتوبيخ
المخاطب فاحذر عن خلط أحد الوَجْهَيْن بالآخر، وأما كون الشرط الإسراف في المستقبل
وهو ليس بمتحقق فلا يحتاج إلَى تأويله بما ذكر فجوابه. أما أولًا فلأن الظَّاهر من حال
المسرف بقاؤه عَلَى حاله، ومثل هذا يعد في العرف جزمًا بل الصواب أن الْمُرَاد هُوَ
الإسراف في الْمَاضي المتحقق في الحال ومن ثمة قال الكوفيون إن أن هنا بمعنى إذ
وعند المبرد والزجاج أن كلمة أن لا تقلب كان إلَى معنى الاسْتقْبَال لتمحضه للزمان مع
كثرة اسْتعْمَاله كذا في شرح المفتاح للسيد قدس سره.
قوله: (وما قبلها دليل الْجَزَاء) الْمَحْذُوف أو هُوَ نفس الْجَزَاء عند من جوز الْجَزَاء المتقدم.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ(6)
قوله: (وكم أرسلنا) كم خبرية مَفْعُول أرسلنا. قوله في الأولين
متعلق بـ أرسلنا والأولى ظرف مُسْتَقرّ صفة نبي وهو تقدير لما قبله ببيان أن إسراف الأمم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
شاكون في اتصافهم برذيله الإسراف؛ لأن مقتضى العلم بالرذائل المذمومة أن يتركها العالم بها ولا
يتصف بشيء منها. قال صاحب الكَشَّاف: هُوَ من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن [المدل] بصحة
الأمر، المتحقق لثبوته، كما يقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك، ولكنه
يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق: فعل من له شك في الاستحقاق، مع وضوحه
استجهالا له. قال الطيبي: وكَذَلكَ (أن كنتم قومًا مسرفين) استجهالًا لهم في أنهم
في معرفتهم أن الْقُرْآن عربي مبين وقد أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان ما يحتاج الأمة في
أبواب الديانة فرطوا فيه مثل تفريط من لم يعرف ذلك وشك فيه فالتعريف في الذكر للعهد
الخارجي التقديري لأن قوله (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) في معنى الذكر ونقول الذكر مظهر وقع في مقام المضمر
من غير لفظ سابق إشعارًا بالعلية، والْمُرَاد به الشرف والصيت.
قوله: وما قبلها دليل الْجَزَاء. أي وما قبل هذه الآية وهو قوله (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا)