قوله: (متاركة لهم وتوديعًا) لف ونشر مرتب بحسب المآل كما في قوله:(لكم
دينكم ولي دين)فليس فيه إذن في الكفر لما عرفت من أن الْمُرَاد بيان
الْجَزَاء كان كل المرء مجزي بعمله لا غير فهو متاركة ولا امتناع عن الجهاد أَيْضًا ليكون
منسوخًا بآية القتال. قوله وتوديعًا ناظر إلَى السلام أي هذا السلام سلام التوديع لا سلام
التحية كقول إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ لأبيه (سلام عليك) فلا منع من السلام للتوديع للكافرين
والممنوع سلامة التحية بلا داع شرعي، ولهذا المقام مزيد تفصيل في سورة الفرقان .
قوله: (ودعاء لهم بالسلامة عَمَّا هم فيه) ودعاء الكافر بالهداية مشروع بل الدعاء
بالْمَغْفرَة جائز كما روي عن النَّبيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه دعا في غزوة أُحد"اللهم اغفر لقومي"
فإنهم لا يَعْلَمُونَ"وفي رواية"اللهم اهدِ قومي"الخ. لكن الْمُرَاد الدعاء بالتوفيق للإيمان ."
قوله: (لا نطلب صحبتهم ولا نريدها) قدر الْمُضَاف لأنه لا معنى لطلب ذواتهم
وأَشَارَ إلَى أن الابتغاء هُوَ الطلب، وفيه من المُبَالَغَة ما لا يخفى .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)
قوله: (لا تقدر أن تدخلهم في الْإسْلَام) أي الْمُرَاد نفي القدرة عَلَى الهداية لا نفي
الهداية مع القدرة عليها بالقرينة عَلَى أن الهداية بمعنى الإيصال ليس بمقدور له عَلَيْهِ السَّلَامُ
وإنما المقدور له الهداية بمعنى الدلالة عَلَى ما يوصل إلَى البغية، وعن هذا قال لا تقدر أن
تدخلهم الخ. ولم يقل لا تقدر عَلَى الدلالة عَلَى ما يوصلهم إلَى الْإسْلَام، وبهذا الْمَعْنَى ورد
قَوْلُه تَعَالَى: (وإنك لتهدي إلَى صرَاطٍ مُسْتَقيمٍ) فلا منافاة بين الْإثْبَات
والنفي أو النفي حَقيقَة والْإثْبَات مجاز فلا منافاة أَيْضًا .
قوله: (ولكن الله يَهْدي من يشاء) فيدخله في الْإسْلَام) ولكن
استدراك بحسب الْمَعْنَى. أي إنك لا تقدر عَلَى هداية من أحببت ولكن الله يقدر عَلَى ذلك
من يشاء فيدخله في الْإسْلَام، وحاصل الاستدراك الإدخال في الْإسْلَام وعدم الإدخال يعرف
وجهه بالتأمل. وأشار المص إلَى ذلك في الموضعين .
قوله: (بالمستعدين لذلك) أوله به ؛ إذ الهداية لا تكون للمهتدين بالْفعْل بل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: متاركة وتوديعًا. نقل في المطلع عن الزجاج لم يريدوا بقولهم (سلام عليكم) التحية، وإنَّمَا
أرادوا بيننا وبينكم المتاركة والتسليم كأنهم قَالُوا سلمتم منا لا نعارضكم بالشتم والأذى .
قوله: لا تقدر أن تدخله في الْإسْلَام، وإنَّمَا فسر (لا تهدي) بلا تقدر عَلَى الهداية لأن كلمة
الاستدراك وضعت ليدخل بين كلامين متغايرين نفيًا وإثباتًا فإذا دل قوله:(ولكن الله يَهْدي من
يشاء)عَلَى أنه تَعَالَى قادر عَلَى الهداية يجب أن يفسر قوله:(إنك لا تهدي من
أحببت)بلا تقدر عَلَى هداية من أحببت .
قوله: بالمستعدين لذلك. يعني لفظ المهتدين مَجَاز مُرْسَل لأن الْمُرَاد بهم الَّذينَ مصير أمرهم
إلى الاهتداء وإن كانوا الآن كفرة لا يهتدون لأن الْمُرَاد بهم من دعوا إلَى الإيمان باللَّه وبما جاء به