تَعَالَى عنه لكن إرادة استغفار الغير مع كون الضمائر راجعة إليهم لا تخلو عن التمحل.
قوله: (أو قولهم اللهم اغفر) فيكون مجرد طلب الْمَغْفرَة مانعًا من العذاب ولو من
الكفرة العجزة، وهذا وإن كان ظاهرًا بالنسبة إلَى كون الضمائر راجعة إليهم بلا تكلف لكن
مجرد طلب الْمَغْفرَة بلا توبة من المعصية ومع إصراره عَلَى الكفر كونه مما يدفع به العذاب
بعيد جدًا بل مثل هذا الاستغفار يحتاج إلَى التَّوْبَة والاستغفار اللهم إلا أن يقال لا بعد
بالنسبة إلَى عذاب الدُّنْيَا.
قوله: (أو فرضه على معنى لو استغفروا لم يعذبوا كقوله:(وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ
الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ)أي الْمُرَاد بالاستعفار الاستغفار المقارن
للتوبة والندامة، وهذا الوجه أوجه الْوُجُوه الثلاثة لسلامته عن المناقشة التي في الوَجْهَيْن
الأولين غير أن هذا لقيد (وهم يستغفرون) منفي في هذا الوجه ثابت في الأولين ولا ضير فيه
في توجه النفي إلَى القيد والمقيد جَميعًا عند ظهور القرينة وصاحب [الكَشَّاف] رَجَّحَ هذا
الوجه بل اكتفى به واللائق بالمص تقديم هذا الوجه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا
أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (34)
قوله: (وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى زال ذلك وكيف لا يعذبون) أى كون النَّبيّ عليه
السلام فيما بينهم والاستغفار والزوال بالنسبة إلَى الاستغفار من قبيل ضيق فم البئر عَلَى الوجه
الأخير في الاستغفار وفيه تكلف والْقَوْل بأنه بناء عَلَى اختيار الوَجْهَيْن ليس بشيء.
قوله:(وحالهم ذلك ومن صدهم عنه إلجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين إلى الهجرة
وإحصارهم عام الحديبية)وحالهم إشَارَة إلَى أن الْجُمْلَة حالية وإحصارهم عطف عَلَى إلجاء
وأورد عَلَى قوله وإحصارهم أن إحصارهم كان بعد قتل النضر وأضرابه ونظرائه فلا ينتظم
مع ما سبق له الْكَلَام. وأُجيب عنه بأن القائل إن كان هذا هُوَ الحق فإن كان النضر ومن تبعه
لكن الحكم بالتعذيب بعد مفارقة النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يعم الكل بسَبَب ضد سيكون منهم ولو
صدر من غير النضر وأضرابه بعد هلاكهم فتأمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو فرضه عطف عَلَى استغفار من بقي أو فرض استغفارهم. قال صاحب الكَشَّاف ومعناه
نفي الاستغفار عنهم. أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم كقوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ
لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) . ولكنهم لا يُؤْمنُونَ ولا يستغفرون ولا يتوقع
ذلك منهم. قال صاحب [شرح] الكَشَّاف يعني استحقاق العذاب يدل عَلَى عدم الاستغفار؛ إذ لو
استغفروا ما استحقوه وهو نوع من الكناية ونظيره (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
مُصْلِحُونَ (117) .
يعني إهلاكهم دليل عَلَى إفسادهم؛ إذ لو صلحوا ما أهلكهم الله لأن الله ليس بظلام للعبيد.
قوله: متى زال ذلك أي ليس لهم مانع من تعذيبهم متى زال ذلك المانع الْمَذْكُور وهو أن
يكون الرَّسُول فيهم أو يستغفروا.