الْإسْلَام عَلَى أن الْإضَافَة من إضافة الصّفَة إلَى الْمَوْصُوف، ففي هذه الصورة هل يحكم
بكفره أو لا؟ فإن كانت المودة اضطرارية لأجل القرابة أو لغيرها فلا ضير، وإن كانت اختيارية
فإن كانت لأجل الدُّنْيَا فلا كفر. وإن كانت لدينه فكفر جزمًا. وهذه الْجُمْلَة تذييلية مقررة لما
قبلها والمُسْتَفَاد منها عدم وقوع ذلك، والمفهوم مما قبلها وقوعه حيث أخبر بأنهم يسرون.
ورواية حاطب لم يلق تلك المودة والمكتوب إليهم ومع ذلك اعتذر وقبل اعتذاره إلا أن
يأول الْفعْل بإرادته فينتظم الْجُمْلَة الشرطية مع ما قبلها ولم يحم أحد حول تحقيق هذا
المرام مع أنه مشتبه الأعلام.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا
لَوْ تَكْفُرُونَ (2)
قوله:(إِنْ يظفروا بكم. يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ولا ينفعكم إلقاء المودة إليهم. وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ
أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ ما يسوؤكم كالقتل والشتم)إن يظفروا بكم لأن الثقف المصادفة وهي
مستلزم للظفر فأريد به مَجَازًا. ويكُونُوا لكم أعداء أي يظهرون العداوة ولا يكونون أولياء لكم
مثل ما أنتم ويرتبون أحكام العداوة كما قال (ويبسطوا) الآية. قوله كالقتل
ناظر إلَى الأول والشتم ناظر إلَى الثاني قوله: (ويبسطوا) عطف تفسير له لما
عرفت من أن الْمُرَاد يظهرون العداوة وإلا فأصل العداوة سابقة عَلَى الظفر فبسط اليد واللسان
من قبيل إظهار العداوة فيكون عطف تفسير له لا مستقلًا بالجزائية، إلا أن يقال: معناه يصرون عَلَى
العداوة ويدومون عليها فحِينَئِذٍ يكون يبسطوا جزاء مستقلًا. وفي المطول: إشَارَة إليه حيث قال قد
ذكر في مَوْضع جزاء الشرط ثلاث جعل متعاطفة الخ. وقد قال: قيل هذا يكُونُوا لكم أعداء
خالصي العداوة. واختار قدس سره في شرح المفتاح كونه عطف تفسير لا مستقلًا بالجزائية.
قوله: (وتمنوا ارتدادكم) نبه به عَلَى أن المودة هنا بمعنى التمني فإنه يستعمل فيه
كثيرًا لا سيما إذا وقع بعده كلمة (لو) ولو بمعنى أن المصدرية إذا وقع بعد فعل المودة، قول
الْمُصَنّف ارتدادكم إشَارَة إليه.
قوله: (ومجيئه وحده بلفظ الْمَاضي) مع أن الْجَزَاءين الْمَذْكُورين مضارعان. قوله بلفظ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: إن يظهروا بكم. قَالَ الرَّاغب: الثَّقْفُ: الحذق في إدراك الشيء وفعله ومنه قيل رجل ثَقِفٌ
أي حاذق في إدراك الشيء وفعله.
قوله: ومجيئه وحده الخ. يريد بيان وجه مجيء (ودوا) وحده عَلَى صيغة المضي مع أنه منخرط
في سلك يكُونُوا ويبسطوا في كونه جزاء الشرط، فالوجه وإن كان معناه أَيْضًا عَلَى الاسْتقْبَال إذ لا
فرق بحسب الْمَعْنَى بين قولك: إن تكرمني أكرمك. وبين: إن أكرمتني أكرمتك. في كون معنى كل عَلَى
الاستقبال الإشعار بأن مودتهم كفركم شيء حصل قد حصل ومضى وأهم مقاصدهم قبل كل شيء
سواء ثقفوكم أو لم يثقفوكم. قال الرَّاغب: الود محبة الشيء عن تسميه، ولما كان لهما استعمل في كل
واحد منهما فقيل: وددت فلانًا إذا أحببته، ووددت الشيء إذا تمنينه. قال صاحب الكَشَّاف في وجه