قوله: (بأن جعلوه ابنًا للَّه أَشَارَ إلَى أن الْمَفْعُول الثاني هنا مَحْذُوف) أي اتخذوا
المسيح ابن مريم ربًا بأن جعلوه ابنًا لله أي وما أمر المتخذون أربابًا(أو المتخذون أربابًا
فيكون كالدليل عَلَى بطلان الاتخاذ)بفتح الخاء .
قوله: (فيكون) أي عَلَى الأخير كالدليل ؛ إذ معبودهم ؛ إذ أُمرُوا بإطاعته تَعَالَى فقط
فيكون المتخِذين بكسر الخاء مأمورين وإطاعته تَعَالَى فقط بطَريق الأولى، وإنما قال كالدليل
لعدم المراعاة في صورة الدليل وهذا من عادة الْمُصَنّف، ولو لوحظ كونه دليلًا في اصْطلَاح
الأصول. وقيل فيكون دليلًا عَلَى بطلان الاتخاذ لكان وجهًا حسنًا .
قوله: (ليطيعوا) أي الْمُرَاد بالْعبَادَة مطلق الإطاعة بطَريق الْعبَادَة أولًا، وإنما اختاره
ليوافق ما قبله ؛ إذ اتخاذهم الأحبار والرهبان أربابًا بمعنى الإطاعة لا الْعبَادَة عَلَى الوجه
الأول، وعلى الوجه الثاني الْعبَادَة كما في اتخاذهم المسيح ابن مريم نفس الْعبَادَة بمطلق
الإطاعة لينتظم كلا الاحتمالين (وهو الله) وأما طاعة الرسل وسائر من أمر الله بطاعته فهو
في الْحَقيقَة طاعة اللَّه صفة ثانية أو اسْتئْنَاف .
قوله: ( [صفة ثانية أو اسْتئْنَاف مقرر للتوحيد] ) وجه التقرير أنه لما فهم من قوله إلهًا
واحدًا لوحدة والْكَلَام ساكت عن نفي الْأُلُوهيَّة عَمَّا سواه، أكد ذلك بنفي الْأُلُوهيَّة عن غيره
وإثباتها له تَعَالَى فيندفع احتمال كونهم مأمورين بإطاعته إلهًا من بين آلهة، ومثل هذا يسمى
بيان التقرير، وأما احتمال بيان التَّفْسير فضعيف .
قَوْلُه تَعَالَى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ
كَرِهَ الْكافِرُونَ (32)
قوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا) أي يخمدوا .
قوله: (يخمدوا) تعريف لفظي ليطفئوا لكنه تعريف بالأخفى(نور الله حجته الدَّالَّة
على وحدانيته).
قوله: (حجته) أي السور التي كيفيته تدركها الباصرة أولًا وبوالسطتها سائر
المبصرات مسْتعَارَة للحجة التي ظاهرة بذاتها مظهرة لغيرها. وجه الشبه واضح مما
ذكرنا، والْمُرَاد بالحجة الْعَقْليَّة المشار إليها بقَوْلُه تَعَالَى:(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا
سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)الآية. وقد أوضحناه وبينه
الْمُصَنّف هناك وقال [إن الآية] مشعرة عَلَى فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه، ثم قال في
قَوْلُه تَعَالَى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية. وهو حجة رابعة أو
الحجة الْعَقْليَّة والنقلية .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وأما طاعة الرسل الخ. جواب سؤال عسى يرد عَلَى معنى الحصر في (إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا)