آخر وهو استتاركم من النَّاس بأنواع الحجب عند ارْتكَاب الفواحش مخافة الفضاحة
(وما كنتم تستترون) وما ظننتم أن يشهد عليكم أعضاؤكم لإنكاركم البعث ولا يخطر
ببالكم ذلك ولو خطر ذلك لما تجاسرتم عَلَى العصيان، فعلم أن هذا حكاية لما سيقال
لهم تقريرًا لشهادة الجلود وسائر الأعضاء للتوبيخ والتقريع. قوله مخافة الفضاحة في
جانب الْإثْبَات إشَارَة إلَى أن قوله أن يشهد مَفْعُول تستترون المنفي بتقدير الْمُضَاف
أي (وما كنتم تستترون) مخافة أن يشهد لأن هذا الخوف منتف عنكم
لإنكاركم البعث فليس استتاركم للخوف عَمَّا ذكر بل استتاركم من النَّاس مخافة
الفضاحة والقرينة عَلَى أن الْمُرَاد إثبات الاستتار من النَّاس مع أن النظم مسوق لنفي
الاستتار لخوف الشَّهَادَة بدلالة العادة عَلَى ذلك فإن الفواحش ترتكب في وراء الأستار
والحجاب، وأَيْضًا كما عرفت أن النفي في الْكَلَام المقيد راجع إلَى القيد فيفيد ثبوت
المقيد قوله: (وما ظننتم) ثابت اقتضاء؛ إذ عدم الاستتار لخوف الشَّهَادَة
مسبوق بعدم ظن الشَّهَادَة.
قوله:(وفيه تنبيه عَلَى أن الْمُؤْمن يَنْبَغي أن يتحقق أن لا يمر عليه حال إلا وعليه
رقيب)وفيه تنبيه ولظهوره بالتأمل الصادق عبر بالتَّنْبيه. قيل قال أبو نواس:
إذا ما خلوْتَ الدّهرَ يوْمًا فلا تَقُلْ ... خَلَوْتَ ولكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
قوله: (وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ) الآية. فلذلك اجترأتم عَلَى ما فعلتم) ولكن
ظننتم استدراك مما فهم من الْكَلَام أي ما ظننتم أن الله تَعَالَى يعلم ما فعلتم وإن يك مثقال
حبة من خردل أو تكُونُوا في صخرة أو في السَّمَاوَات أو في الْأَرْض فيُنطق [أعضاءَكم] ولكن
ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا وهو ما تفعلون خفية من وراء الحجاب فلذلك بالغتم في
[الاستتار] عن أعين النَّاس لا من علام الغيوب ولا تخافون أنه تَعَالَى ينطق الجوارح. وبهذا
البيان ظهر ارتباطه بما قبله.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ(23)
قوله: (إشارة إلى ظنهم هذا، وهو مبتدأ وقوله:(ظَنُّكُمُ الَّذِي) الخ. خبران
له ويجوز أن يكون ظَنُّكُمُ بدلًا وأَرْداكُمْ خبرًا) وهو مبتدأ ظاهره أن المبتدأ والخبر متحدان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
لظنكم الخ. فالْمَعْنَى عَلَى ما قرره لم يكن استتاركم لخوف الحساب في يوم التناد لأنكم
قوم دهرية ولكن كان الخوف لأجل الفضيحة في الدُّنْيَا من أبناء جنسكم فاستترتم منهم لا
من العالم بالسر والخفيات لأنكم كنتم تعتقدون اعتقاد الفلاسفة خذلهم الله أن الله غير
عالم بما تفعلون في الححب من ارْتكَاب الفواحش. وجدت في النسخ التي نظرت إليها