قوله: (أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإِيحاء)
أي عَلَى وجه اشتماله عَلَى العجائب والغرائب وعلى ما هي عليه ممن لم يتعلم
القصص ولم ينشئ قريضًا ولا خطبة ولم يمارس علمًا ولم يشاهد عالمًا معجز خارق
للعادة لا يتصور أي لا يمكن إلا بالإيحاء أشار به إلَى أن الغرض من هذا الْقَوْل بيان أنه
معجزة للرسول عَلَيْهِ السَّلَامُ لا يعرفها إلا من استعمل العقل الخالص عن الوهم
المهلك وتدبير معانيه حتى يصل إلَى ما فيه من الفصاحة التي بذت كل فصاحة فيعلم
أنه منْ عنْد اللَّه تَعَالَى لا من عند النَّبيّ .
قَوْلُه تَعَالَى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ
مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3)
قوله: (نَحْنُ نَقُصُّ) تقديم المبتدأ للتقوي، وأما الحصر فليس بمستحسن وإن كان
صحيحًا في نفسه عليك أي بالأصالة .
قوله: (أحسن الاقتصاص) أي القصص مصدر بوزن طلب والتَّعْبير بالاقتصاص
للتمييز عن الوجه الأخير ؛ إذ الاقتصاص مختص بالمصدر بخلاف القصص .
قوله: (لأنه اقتص عَلَى أبدع الأساليب) أي أعجب الطرق والمسالك لكونه بالنظم
الوجيز. والْمَعْنَى الجزيل مع المراعاة لمقتضى الحال في كل كلام ومقال .
قوله: (أو أحسن ما يقص لاشتماله عَلَى العجائب والحكم والآيات) أحسن ما يقص
أخره ؛ إذ في الأول حمل القصص عَلَى حقيقته وهي أصل وراجح إن جعل مصدرًا بمعنى
الْمَفْعُول في الوجه الثاني وإن جعل صفة مشبهة كما هُوَ الظَّاهر من كلامه. فوجه رجحانه أنه
شائع اسْتعْمَاله في المصدر مع أنه يستلزم هذا ؛ إذ كونه أحسن الاقتصاص يجوز أن يكون
معللًا باشتمال ما يقص بذلك الاقتصاص عَلَى العجائب والحكم أَيْضًا .
قوله: (والعبر فعل بمعنى الْمَفْعُول) كذا حمله عليه بعض المحشيين وهو المصرح
في الكَشَّاف لكن كون الصّفَة المشبهة بمعنى الْمَفْعُول غير شائع والأولى جعله مصدرًا
بمعنى الْمَفْعُول ويمكن حمل كلام الْمُصَنّف عليه وإن كان خلاف الظَّاهر بخلاف كلام
صاحب الكَشَّاف .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أحسن الاقتصاص. إشعار بأن القصص بفتح القاف مصدر قص بقص بمعنى الاقتصاص
على وزن المدد والشطط في المضاعفات وعلى وزن الشرف والحسد في غيرها، وأما القصص
بالكسر فإنه جمع قصة بالكسر والقصة بالكسر ليس بمصدر بل هُوَ اسم للمقصوص. وفي الكَشَّاف:
اشْتقَاق القصص من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الْحَديث يتبع ما حفظ منه شَيْئًا فشيئاً كما
يقال: تلا القرآن، إذا قرأه؛ لأنه يتلو أى يتبع ما حفظ منه آية.
قوله: عَلَى أبدع الأساليب مبني عَلَى أن يراد بالقصص الاقتصاص. وقوله أو أحسن ما يقص
على أن الْمُرَاد بالقصص المقصوص .