قوله: (والخطاب للرسول عَلَيْهِ السَّلَامُ) لما عرفت أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ تجرع منهم
الغصص وأنواع الأذى، لكن الْمُرَاد حِينَئِذٍ المجرمون الْمَخْصُوصون ويعرف حال غيرهم
بدلالة النص، وأَيْضًا الخطاب له عَلَيْهِ السَّلَامُ خطاب لأمته لكونه إمام قومه.
قوله: (أو لكل أحد) أي أو الخطاب لكل أحد ممن يصلح للخطاب ويتأتى منه
الرؤية؛ إذ الخطاب قد يكون لغير معين فيكون الضَّمير المستتر فيه مَجَازًا مرسلًا أو اسْتعَارَة
والْمُرَاد العموم عَلَى سبيل الشمول دون العموم عَلَى سبيل البدل ويؤيده ما قاله صاحب
المفتاح بأن حالهم قد بلغت من الظهور إلَى حَيْثُ يمتنع خفاؤها ألبتة فلا يَخْتَصُّ رؤية
راءٍ دون راءٍ بل كل من يتأتى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب انتهى. وبهذا البيان ظهر
وجه عمومه عَلَى سبيل الشمول دون البدل حيث بين القرينة عَلَى العموم بقوله فلا يَخْتَصُّ
رؤية راءٍ دون راءٍ والنكرة في مَوْضع الْإثْبَات لا تعم إلا بدليل، والضَّمير الذي لغير معين
بمنزلة النكرة في الْإثْبَات الدال عَلَى عمومها القرينة.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)
قوله: (ما [تهتدي] به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له) أَشَارَ إلَى أن الهدى
مصدر بمعنى الهادي به. قوله بالتوفيق له بيان ما يَهْديهم به متعلق بـ آتينا ولم يفسر الهدى
بنفس الإيمان والعمل الصالح لأن الوصول إلَى أنفسهما إنما هُوَ بالتوفيق عَلَى أن ما ذكره
مستلزم لذلك وارتباطه بما قبله لأنه بمنزلة جواب لقولهم (فارجعنا) بأنهم لو رجعوا لعادوا
لما نهوا عنه كقَوْله تَعَالَى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) وسره أنه لم
يشأ هداية كل أحد رفع الإيجاب الكلي لا سلب كلي؛ إذ لو يدل عَلَى انتفاء المشيئة
الْمَذْكُورة فينتفي الإعطاء الْمَذْكُور.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والخطاب للرسول أو لكل أحد. يعني يجوز أن يكون (لو ترى) خطابًا لرسول الله، وفيه
وجهان. الوجه الأول أن يراد به التمني كأنه تَعَالَى قال وليتك ترى عَلَى أن يكون التمني لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كما كان الترجي له في (لعلهم يهدون) لأنه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لمقاساته
الغصص من عداوتهم وضرارهم جعل اللَّه له تمنى أن يراهم عَلَى تلك الصّفَة الفظيعة من الحياء
والخزي والغم ليشمت بهم، والثاني أن يكون لو الامتناعة قد حذف جوابها وهو لرأيت أمرًا فظيعًا.
ويجوز أن يخاطب به كل أحد كما تقول: فلان لئيم إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك.
فلا تريد به مخاطبًا بعينه فكأنك قلت: إن أُكرم أهان من أكرمه وإن أُحسن إليه أساء من أحسن إليه.
وكلمتا لو وإذ موضوعتان للمضي فلفظ المستقبل وهو ترى معهما إنما جاز لأن المترقب من الله
تَعَالَى بمنزلة الموجود المقطوع به في تحققه أو الثابت في علم اللَّه بمنزلة الواقع الْمَاضي.