كارهين أو نعود فيها لو كنا عالمين ببطلانها ولو كنا كارهين لها. والمص لما حاول التَّنْبيه
على أن في النظم مُبَالَغَة قال كَيْفَ نعود فيها فسلط الإنكار عَلَى كيفية العود مع أن الْمُرَاد
إنكار العود نفسه ؛ إذ العود لا ينفك عن حال وصفة فإذا أنكر أن يكون لعودهم حال يوجد
عليها استلزم ذلك إنكار وجوده فهو طريق برهاني أبلغ وأقوى من إنكار العود نفسه لكن
لما دخلت عَلَى كلمة لو التي لاستقصاء الأحوال عَلَى سبيل الإجمال أفاد المُبَالَغَة [فعبَّر]
المص بلفظ كَيْفَ ميلًا إلَى حاصل الْمَعْنَى ثم المقصود إنكار العود المقيد بحال الكراهة
وغيرها لا تَقْييد العود المنفي بها فإنه يوقع الخلل كما يظهر بالتأمل .
قوله: (أو أتعيدوننا) عدم التعرض له يرى حسنًا ؛ إذ الكفرة لم يقولوا أو لنعيدنكم في
ملتنا لنكتة سبق بيانها .
قوله: (في حال كراهتنا) تغن في البيان ؛ إذ قال أولًا ونحن كارهون لها، ثم الظَّاهر
أن في كلامه إشَارَة إلَى أن لو هنا ليس مثل لو في قوله فلان جواد يعطي ولو كان فقيرًا، بل
هي هنا منسلخة عن معنى الشرطية وحال من فاعل فعل مذكور لكن ما ذكر أولًا هُوَ
الْمُنَاسب للمقام ومراد المص تبيين حاصل الْمَعْنَى والمرام .
قَوْلُه تَعَالَى: (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ(89)
قوله: (قد اختلقنا عليه. [إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها] شرط جوابه محذوف دليله:(قَدِ افْتَرَيْنا) وهو بمعنى المستقبل
لأنه لم يقع) .
قوله: (لكنه جعل كالواقع) أَشَارَ إلَى أن افتريا مُسْتَعَار .
قوله: (للمُبَالَغَة) أي في نفي العود ؛ إذ العود وهمه فيما سيجيء مستلزم لوقوع الافتراء
فما ظنك بحال العود أوقوعه بالْفعْل .
قوله: (وأدخل عليه قد لتقريبه من الحال أي قد افترينا الآن) مُسْتَفَاد من قد التقريية .
قوله: (إن هممنا بالعود) تفسير (إِنْ عُدْنَا) حمل عَلَى الْمَجَاز لاقتضاء (قد افترينا) لأن
معناه كما عرفت قد افترينا الآن والافتراء الآن لا يكون جوابًا للعود المفروض وقوعه في
المستقبل فيكون معناه إن هممنا الخ.
قوله: (بعد الخلاص منها) فسر المتعدي باللازم للمُبَالَغَة كأن النجاة والخلاص منها
حالة أصلية لقوم شعيب عَلَيْهِ السَّلَامُ كما كان له عَلَيْهِ السَّلَامُ .