صرح البعض أنه مختص به ولو سلم لا شك في ندرته وقلته. ثم قال ابن هشام والأولى
عندي لما توفوا أعمالهم إلَى الآن وسيوفونها انتهى. ويرد عليه إن أريد عدم التوفية الآن
عدمها في هذه النشأة فغير مراد لعدم ملائمة وسيوفونها؛ إذ الْمُرَاد بها النشأة الْآخرَة مع أن
هذه الدار ليس دار الخلد فما الفائدة في النفي وإن أريد به عدم التوفية في الدار الْآخرَة
فواضح معلوم منتف فيه فَائدَة الخبر كما لا يخفى عَلَى أهل النظر .
قوله: (والْمَعْنَى لمن الذين يوفينهم ربك جزاء أعمالهم) رَجَّحَ كسر الميم عَلَى
أنها حرف جر لكن (مِنْ) بيانية لا تبعيضية لمكان (وإن كلا) والَّذينَ إشَارَة إلَى أن ما
موصولة أي بمن الَّذينَ والله ليوفينهم هكذا عن القراء وجماعة، وأما جعل الميم فتحة
والَّذينَ بدلًا منه قبل إتيان الصلة فضعيف وإن ذهب إليه البعض وأسقط اللام القسمية
عن ليوفينهم للإشَارَة إلَى أن الصلة في الْحَقيقَة جواب القسم ؛ إذ القسم إنشاء لا يصلح
لكونه صلة وإن كان صلة في الظَّاهر كأنه ذهب إلَى أنه جواب قسم ساد مسد الصلة
وهذا تكلف ولو ذكر اللام كما وقع في النظم التعليل لكان أسلم من التعسف، وأما عدم
كون القسم صلة فمدفوع بأن التقدير وإن كلا لمن الَّذينَ يقال في شأنهم والله ليوفينهم
ربك جزاء أعمالهم بتقدير الْمُضَاف .
قوله: (وَقُرئَ لما بالتنوين أي جميعًا كقوله:(أَكْلًا لَمًّا) عَلَى أنه مصدر كما قاله ابن
جني كقوله (أَكْلًا لَمًّا) أي جامعًا لأجزاء المأكول. والْمَعْنَى هنا وإن كلا ليوفينهم لما أي توفية
جامعة لأعمالهم بحَيْثُ لا ينقص شيء من جزائهم لكن الزَّمَخْشَريّ والْمُصَنّف اختارا كونها
للتأكيد ولذا قال أي جَميعًا .
قوله: (وإن كلا لما عَلَى أن إن نافية ولما بمعنى إلا) أي وَقُرئَ أَيْضًا وإن كلا لما
بتشديد الجيم بمعنى إلا وكل منهما دليل للآخر كقَوْله تَعَالَى:(إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا
حَافِظٌ)وفي مغني اللبيب وفيه رد لقول الْجَوْهَريّ أن لما بمعنى إلا غير
معروفة في اللغة انتهى. وكذا فيه رد لأبي عبيدة حيث أنكر مجيء لما بمعنى إلا كما نقل
عنه وقراءة التواتر دليل عليهما وقَالُوا إنها لغة هذيل لكنها لم تسمع إلا بعد القسم ولا يضر
كونها لغة هذيل فإنها من اللغات السبعة التي أنزل الْقُرْآن عليها صرح به شراح الْحَديث في
قوله: عَلَيْهِ السَّلَامُ:"أنزل الْقُرْآن عَلَى سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه"كما في المشارق.
قوبه: (وقد قرئ به) أي بـ إلا (فلا يفوته شيء منه وإن خفي)
قَوْلُه تَعَالَى: (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)
قوله: (لما بين أمر المختلفين) بيان ارتباط هذه الآية بما قبلها. قوله: فلا يفوت عنه
إشَارَة إلَى أن قوله: (بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) كناية عنه أو هذا متفرع عليه .
قوله: (في التوحيد والنبوة) الأولى في الْكتَاب بدل النبوة ؛ إذ هُوَ الْمَذْكُور في الآية
المتقدمة أو ذكره بعد النبوة .