فهرس الكتاب

الصفحة 1960 من 10841

لكن كرر الْفعْل وقيل ويعلمكم ليدل عَلَى أنه جنس آخر أي كأنه نوع آخر وليس من جنس

ما قبله؛ لأن تعليمه أحوج ما يكون؛ إذ لا طريق إلَى معرفته سوى الوحي والتعليم فيكون

تَخْصيصًا بعد التعميم للنكتة الْمَذْكُورة فيكون ترغيبًا عَلَى دوام الشكر عَلَى الإرسال لأنه

لولاه لكان المكلفون [متحيرين] في أمر دينهم ودنياهم ومحرومين عن سعادة الدارين والفوز

بالخيرين فهذا العطف كعطف جبْريل عَلَى الْمَلَائكَة وأن مراده بجنس آخر تأويلًا وادعاء

كالْقَوْل بأن جبْريل جنس آخر مغاير للْمَلَائكَة تنزيلًا لتغاير الصفات منزلة التغاير الذوات

وأن الْمُرَاد بالموصول في (ما لم تكُونُوا تَعْلَمُونَ) الْكتَاب والْحكْمَة مقيدًا بما ذكر من أنه

لا طريق إلَى معرفته سوى الوحي والتعليم ولم يجئ ويعلمكم ما لم تَعْلَمُونَ لأن نفي

الكون عَلَى صفة أبلغ من نفي الصّفَة.

قوله: (فاذْكُرُوني) الفاء لما في الْكَلَام من معنى الشرط. والْمَعْنَى أن نعم الله تَعَالَى

لا تحصى فإن لم تذكروه بالطاعة لسائر نعمه فاذْكُرُوني بالطاعة لأجل هذه النعمة وهي نعمة

الإرسال في أحوج ما يكون، وفي فترة من الرسل أو الفاء لإفادة معنى الشرط فكأنه قال

مهما يكن من شيء فاذْكُرُوني بالطاعة وهذا أبلغ معنى والأول أنسب لفظًا.

قَوْلُه تَعَالَى: (فَاذْكُرُوني أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لي وَلا تَكْفُرُون(152)

قوله: (بالطاعة) وهي الانقياد وبجميع ما أمر به فيتناول الذكر باللسان والجوارح

والجنان فذكر اللسان كالحمد والتسبيح وذكر القلب كالتفكر في الدلائل عَلَى ذاته وصفاته

والإيمان بجميع ما جاء به النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وذكر الجوارح كونها مستغرقة في الْأَعْمَال

المأمور بها وخالية عن النواهي التي نهوا عنها، وهذا كله ظَاهر لكن إطلاق الذكر عليها إما

بالاشتراك اللفظي أو المعنوي أو حَقيقَة في الذكر اللساني ومجاز في الأخيرين لم يبين

ذلك والظَّاهر الأخير والعلاقة المشابهة في كونها طاعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *

الغريب كالعلم بوجود الواجب تَعَالَى ووحدانيته وكمال قدرته وإرادته وعلمه وحياته وتكوينه، فعلى

هذا يكون الْمُرَاد بالْكتَاب في قوله: (ويعلمكم الْكتَاب) ليس جميع ما في الْكتَاب

بل بعض منه مما يمكن للعقل معرفته بالنظر والتأمل في المصنوعات لما أن في الكتاب ما لا

يحصل العلم به إلا بطريق الوحي الإلهي وهذا التقسيم بناء عَلَى أن ما هُوَ المقدور حصوله للعقل

فهو كالحاصل بالْفعْل فيعلق التعليم به في الأول باعْتبَار عدم حصوله الحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت