تَعَالَى أن إنزاله سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة، فإن السالك إذا انكشف له ما هو أعلى
من مقامه لعله لا يحتمله ولا يستقر له فيضل به ضلالًا بعيدا) فإنها غذاء الروح يتقوى بها
ويستكمل بها الروح ويَحْيَى بها حياة معنوية، فعلى هذا الأكل هنا عبارة عن اطلاع تلك
الحقائق وقس عليه ما عداه وبين معنى كل لفظ بما يناسب ولا يبعد كون مراد بعض
الصوفية أن ما دل عليه ظَاهر النظم وإن كان مراده لكن فيه الإشَارَة إلَى ما ذكر فلأن لكل
آية ظاهرًا وباطنًا ولكل حد مُطْلَقًا كما ورد في الْحَديث .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)
قوله: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ) هذا الْقَوْل أَيْضًا في يَوْم الْقيَامَة وصيغة
المضي كما مَرَّ عَلَى طريقة (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّة) (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
أَأَنْتَ قُلْتَ)ولما لم يكن المقصود إنكار نفس الْقَوْل بل المقصود
توبيخ من قال به أدخل الاسْتفْهَام عَلَى المبتدأ مع أن مقتضى القاعدة دخوله عَلَى الْفعْل ؛ إذ
المنكر نفس الْفعْل وهو الْقَوْل هنا. وبالْجُمْلَة إذا قدم المرفوع قد يكون لإنكار الحكم عَلَى
أن يكون التقديم لمجرد التَّقْوَى كما في قَوْله تَعَالَى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ)
كما اختاره صاحب المفتاح .
قوله: (يريد به توبيخ الكفرة وتبكيتهم) اللام للعهد أَشَارَ إلَى أن الهمزة للإنكار
الواقعي والمقصود توبيخهم وإسكاتهم ويمكن أن يقال: إن الهمزة هنا للتقرير أي لحمل
المخاطب عَلَى الإقرار لكن ليس لتقرير الحكم الذي دخل عليه الهمزة بل لتقرير الحكم
الذي يعرفه عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ من هذا الحكم فإنه لتقدير أن النصارى قَالُوا ذلك لا بأنه قد
قال ذلك .
قوله: (و(مِنْ دُونِ اللَّهِ) صفة إلهين). والْمَعْنَى (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي)
صيروني وأمي الهين. أي معبودين متجاوزين من عبادة الله .
قوله: (أو صلة اتخذوني) ظاهره أنه ظرف لغو وبعضهم حمل عَلَى أن مراده أنه حال
من فاعل اتخذوني فيكون معمولًا له وهذا جيد لكنه خلاف الْمُتَبَادَر .
قوله: (ومعنى دون إما المغايرة) بناء عَلَى أنه استعمل في كل تجاوز حد إلَى حد
وتخطي أمر إلَى أمر .
قوله: (فيكون فيه تنبيه عَلَى أن عبادة الله مع عبادة غيره كلا عبادة) وجه التَّنْبيه هُوَ أنه
لما كان سمي اتخاذهما معبودين التجاوز عن ألوهية الله تَعَالَى مع أن أحدًا من النصارى لم
ينف ألوهية الله ولم يوجد التجاوز عن عبادة الله صريحًا فطريق إطلاق التجاوز لا يكون إلا