فعاند من تطيق له عنادًا ولم تسلم. ففهم أن عناد التَّكْذيب أشنع لا محالة ففي الْجُمْلَة قد
ثبت أنهم كذبوا قبل العلم جهلًا وتقليدًا وبعده حَسَدًا، فاستمر تَكْذيبهم في الحالين بدليل
عدم انقطاع الذم عنهم انتهى. أشار بقوله فاستمر تَكْذيبهم الخ. إلَى الْجَوَاب عن الإشكال بأن
عدم الإقلاع يستفاد من اسْتمْرَار الذم لا من كلمة التوقع لكن فيه نظر فتدبر.
قوله: (فلم يقلعوا) تفريع لمجموع قوله لا تفريع لبيان كلمة التوقع ولا يلزم مدخلية
جميع ما ذكر قبل التفريع فيه أو تفريع عَلَى ما فهم من بيان فَائدَة كلمة التوقع وكأنه قيل
وبعد ظهور ما ظهر من حقية الْقُرْآن بقوا عَلَى حالهم لكون مشاعرهم مؤوفة وقلوبهم
مطبوعة فلم يقلعوا، ولا بُعد في أن يكون اسْتئْنَافًا بجعل الفاء بمعنى الواو وإنكار اسْتعْمَال
الفاء مكان الواو مكابرة لتصريح أئمة الأصول به (أنبياءهم) .
قوله: (فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم) ؛ إذ الْمُرَاد بالْإخْبَار عن تَكْذيب
الَّذينَ من قبلهم لازمه وهو إهلاكهم وأخذهم أخذًا وبيلًا فيستفاد الوعيد لاشتراكهم في
سبب العقاب. غاية الأمر أن عذاب الاستئصال مرفوع عنهم بحرمة نبينا الْمُخْتَار من يصدق
به في نفسه لتظَاهر الأدلة بحَيْثُ تلجئهم إلَى التصديق في نفسه بلا إظهار لغيره.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ(40)
قوله: (ومن المكذبين من يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق) .
قوله: (ولكن يعاند) فيكون تصديقهم ليس بمعتد به والتصديق وإن ذهب بعض
الأئمة إلَى أنه معتبر في الإيمان وحده والإقرار شرط في إجراء أحكام الْإسْلَام لكن
التصديق إذا قارن أمارة الإنكار فضلًا عن الإنكار باللسان ليس بمعتبر اتفاقًا.
قوله: (أو من سيؤمن به ويتوب عن كفره) حمل أولا صيغة الْمُضَارِع عَلَى الحال أي
حال نزول الْقُرْآن ثم حمل ثانيًا عَلَى الاسْتقْبَال وأدخل حرف الاسْتقْبَال عليه للتصريح عَلَى
المقصود فحِينَئِذٍ الْمُرَاد بالإيمان المعتد به المنجي عن الخلود لكن هذا الْمَعْنَى لا يلائم ما
قبله؛ إذ التَّعْبير بقوله: (فانظر كَيْفَ كان) الآية. ظاهرة إنهم كانوا مصرين عَلَى
الكفر إلَى أن قضى نحبهم لكن حالهم مختلفة فمنهم من يعلم الحق ومنهم من لا يعلم
وكلهم مفسدون وفي العذاب هم خالدون.
قوله: (في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره) مقابل الْمَعْنَى الأول في من يؤمن به كما أن
الثاني مقابل للمعنى الثاني (أو فيما يستقل بل يموت عَلَى الكفر، [وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ] بالمعاندين أو المصرين) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فيه وعيد لهم. فلفظ الظَّالمينَ مظهر موضوع مَوْضع المضمر، والْمُرَاد بهم الْمَذْكُورون
المعهودون.
قوله: بالمعاندين أو بالمصرين. نشر عَلَى ترتيب اللف فإن الأول ناظر إلَى الوجه الأول من
تفسيري (من يؤمن) و (من لا يؤمن) والثاني إلَى الوجه الثاني.