قوله: (والتذكر للثاني) وهو ما يستقل به العقل ولا يتوقف عَلَى الشرع لتوقف النوع
عليه مثل معرفة وجوده تَعَالَى ووحدته عَلَى قول ولو توقف ذلك لزم الدور فيناسبه التذكر
كما مَرَّ تَوضيحُهُ، وإنما قال: ولعل لأن هذا لا يلائم ما ذكره أولًا في معنى ليدبروا وفي معنى
التذكر فتذكر وجه ارتباط قَوْلُه تَعَالَى: (كتاب أنزلناه) أنه يفهم من الْكتَاب
كون الخلق الْمَذْكُور مشتملًا عَلَى حكم ومصالح كثيرة وعدم كونه لعبًا وعبثًا .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(30)
قوله: (أي. نعم العبد سليمان ؛ إذ ما بعده تعليل للمدح وهو من حاله) أي نعم العبد
سليمان لا دَاوُود ؛ إذ ما بعده الخ. ومدح الولد بخصال حميدة يشعر مدح الوالد بها لا
سيما هنا فإن لدَاوُود ذكر هنا منقبة عظيمة ومن جملته هبة ولد له شأنه كذا وكذا فآية
منقبة أعظم من هذا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وضيعوا حدوده حتى أن أحدهم ليقول والله لقد قرأت الْقُرْآن فما أسقطت منه حرفًا وقد والله
أسقطه كله ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا عمل والله ما هُوَ أي ما الْقُرْآن ملتبسًا بحفظ حروفه
وإضاعة حدوده أي ليس الْقُرْآن أن يحفظ حروفه ويسقط حدوده بحفظ حروفه وإضاعة حدوده واللَّه
ما هَؤُلَاء بالحكماء ولا الورعة لأكثر الله في النَّاس مثل هَؤُلَاء اللهم اجعلنا من العلماء المتدبرين
وأعذنا من القراء المتكبرين .
قوله: إذ ما بعد تعليل للمدح وهو من حاله يريد أن العخصوص بالمدح الْمَحْذُوف في نعم
العبد هُوَ سليمان لا دَاوُود لأن ما ذكر بعده من كونه أوابًا رجاعًا إليه بالتَّوْبَة أو مسبحًا مرجعا
للتسبيح وقت عرض (الصافنات الجياد) عليه بالعشي ومن قوله: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ
الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) . تعليل
لمدح سليمان بـ نعم العبد وهذه الصفات المادحة الْمَذْكُورة كلها من حال سليمان فدل تعليل المدح
بصفات سليمان عَلَى أن الْمُرَاد بالعبد هُوَ سليمان لا دَاوُود . أقول هذا الذي ذكر بعد المدح إنما يدل
على أن الْمُرَاد بالعبد سليمان لو كان مختصًا بسليمان، وقد مَرَّ وصف دَاوُود بأنه أواب ويجوز أن يكون
عند دَاوُود أَيْضًا (الصافنات الجياد) ( [فَطَفِقَ] مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) ولذا
قال رحمه اللَّه والضَّمير في عليه لسليمان عند الْجُمْهُور. قوله في الركض وهو ضرب الرجل في
الْأَرْض أصل أحببت أن يعدى بـ على لأنه بمعنى آثرت. قال الزجاج: (أحببت حب الخير)
آثرت حب الخير عَلَى ذكر الله عز وجل. وفي الأساس: استحبوا الكفر عَلَى الإيمان آثروه عليه. وقال
صاحب الفرائد: ذهب جماعة من العلماء إلَى أن أحببت بمعنى آثرت وأن عن بمعنى عَلَى وجعلوا
أحببت بمعنى استحببت وقد جاء بمعنى الإيثار في قَوْله تَعَالَى:(الَّذينَ يستحبون الحياة الدُّنْيَا عَلَى
الْآخرَة)أي يؤثرونها والإيثار من لوازم الأحباب فيجوز أن يضمن الأحباب معنى
الإرادة أي أردت حب الخير، ويجوز أن يكون مصدرًا مَحْذُوف الزّيَادَة. وقال صاحب الفرائد: التقدير
أحببت الخير حبًا. أي إحبابًا ثم أضيف إلَى الْمَفْعُول .