قوله: (ظَاهر العداوة عند ذوي البصيرة، وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه؛ ولذلك
سماه وليًا في قوله (أَوْليَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) ظَاهر العداوة إشَارَة إلَى أن مبين اسم فاعل من
أبان بمعنى ظهر لا بمعنى أظهر، وإن استعمل فيه كما نبه عليه المص في أواخر سورة هود
لكنه لم يناسب معنى المتعدي هنا فلذا اكتفى بالْمَعْنَى اللازم، وإنما قيد بذوي البصيرة لأنها
خفية لدى أهل الغواية، وعن هذا قال وإن كان يظهر الموالاة الخ. لكن إظهار الموالاة من
الشَّيْطَان [لأوليائه] غير ظَاهر .
قَوْلُه تَعَالَى: (إنَّما يَأْمُرُكُمْ بالسُّوء وَالْفَحْشاء وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه مَا لاَ تَعْلَمُونَ(169)
قوله: (بيان لعداوته ووجوب التحرز عن متابعته) ولذا اخْتيرَ الفصل وأكد بأداة القصر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: ظَاهر العداوة عند ذوي [البصيرة] . معنى ظهور العداوة مُسْتَفَاد من وصف عدو بـ مبين عَلَى أن
يجعل همزة أبان للصيرورة لم يحمله عَلَى معنى التعدية حيث لم يقل مظهر العداوة كما هُوَ أكثر في بابه
بناء عَلَى أن الشَّيْطَان عدو محيل والمحيل لا يظهر عداوته عند قصد الإضلال والإزلاق عن طريق الحق
بل يرى نفسه في صورة الصديق الناصح لمن يريد إضلاله وإغواءه كقوله(هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَة الْخُلْد
وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى)، وقال (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذه الشَّجَرَة إلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْن أَوْ تَكُونَا
منَ الْخَالدينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إنّي لَكُمَا لَمنَ النَّاصحينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بغُرُورٍ). وإنما قيد
ظهور عداوته بقوله عند ذوي [البصيرة] لأن عداوة الشَّيْطَان عند متبعي الهوى الَّذينَ لا بصارة لهم ليست
بظاهرة بل هُوَ عندهم كولي حميم حيث يدلهم عَلَى مشتهيات نفوسهم ولذائذ مراداتها المستحسنة لهم
وذلك معنى قوله وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه .
قوله: بيان لعداوته ووجوب التحرز عن متابعته. يعني هذه الْجُمْلَة اسْتئْنَاف وارد لبيان ما ذكر من
النهي عن اتباع الشَّيْطَان وأنه عدو لبني آدم كأنه لما قيل (وَلَا تَتَّبعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ)
سأل سائل ما يفعل الشَّيْطَان في عداوته؟ فأجيب بقوله (إنما يأمركم)
قوله: واسْتُعيرَ الأمر لتزيينه وبعثه لهم عَلَى الشر تسفيهًا لرأيهم وتحقيرًا لشأنهم. شبه بعثه عَلَى البشر بأمر
الآمر في أن كلا منهما سبب لوقوع الشر فطوى المشبه فيكون اسْتعَارَة تبعية وإذا بعث الشَّيْطَان عَلَى الشر
وإطاعة إنسان فهو بمنزلة المأمور المنقاد؛ ولذا قَالُوا إن في هذه الاسْتعَارَة كناية رمزية عن مأموريته وانقياده
له. أما وجه أخذ معنى التسفيه والتحقير من اسْتعَارَة الأمر للتزيين فإن في هذه الاسْتعَارَة إيماء ورمزًا إلَى
أنهم منه بمنزلة المأمورين بالطاعة له وبقبول وساوسه والمنقادين المسخرين لإغوائه وبعثه عَلَى الشرور
ومن ذلك قوله: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَام وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ اللَّه) ، وقال الله
تَعَالَى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) حين كان الإنسان يطيع النفس فيعطيها حقها فقوله
واسْتُعيرَ الأمر لتزيينه جواب لما عسى يسأل ويقال: الآمر مستعل عَلَى المأمور ومتسلط فوقه فَكَيْفَ
يستقيم هذا مع قوله عز وجل: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهمْ سُلْطَانٌ) وقوله(إنَّ عبَادي لَيْسَ لَكَ
عَلَيْهمْ سُلْطَانٌ)وخلاصة الْجَوَاب أن الْكَلَام فيه اسْتعَارَة وفي الاسْتعَارَة مزيد نعي عَلَى
سوء صنيعهم وتسفيه رأيهم وتحقير شأنهم وذلك لأخذ الزبدة والخلاصة من الْجُمْلَة .