فيهم ؛ إذ اختبار اللَّه تَعَالَى عباده يكون تارة بالمحنة وأخرى بالمنحة، ولهذا يطلق الْإخْبَار عليهما
وحمل الْمُصَنّف الفتنة هنا عَلَى المحنة لذلك ولو قال الْمُصَنّف أو منحة أو سبب امتحان يدل
محنة أو عطفها عليها لكان له وجه. نعم إن ما اختاره الْمُصَنّف أنسب سبب النزول .
قوله: (فلا يحملنكم حبهم عَلَى الخيانة) من قبيل الكناية. والْمَعْنَى ولا تخونوا بسَبَب حبهم .
قوله: (كأبي لبابة) إشَارَة إلَى ارتباطها إلا ما قبله ومناسبتها له لا إشَارَة إلَى أنه نزل
في حقه لأن هذا وجه ضعيف أشار إليه الزَّمَخْشَريّ بقوله: وقيل وهي من جملة ما نزل في
أبي لبابة وما فرط منه لأجل ماله وولده .
قوله: (لمن آثر رضا الله عليهم وراعى حدوده فيهم، فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه)
أشار بهذا القيد إلَى أن قوله (أَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) عطف عَلَى قوله:
(أَنَّما أَمْوالُكُمْ) الآية. عطف القصة عَلَى القصة ؛ إذ هذه الْجُمْلَة مسوقة لبيان
حال من آثر رضاءه تَعَالَى عَلَى الأموال والأولاد، والْجُمْلَة بيان حال الأموال والأولاد وحال
من آثرهم عَلَى رضاءه تَعَالَى لا عطف المفرد عَلَى المفرد حتى يطلب الجامع بَيْنَهُمَا .
قَوْلُه تَعَالَى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ
سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا) تكرير للخطاب تنشيطًا لأولي الألباب
وصفهم بالإيمان للإيذان بأن ما بعده مما يوجب الإيمان به .
قوله: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ) أي في كل ما تعملون وما تذرون فالْمُرَاد
المرتبة الوسطى بقرينة الخطاب للْمُؤْمنينَ وكلمة إن في مثل هذا المَوْضع بالنسبة إلَى وقوع
الشيء في نفسه لا بالنسبة إلَى قائله ؛ إذ التَّقْوَى مما يحتمل الوقوع واللاوقوع .
قوله: (هداية في قلوبكم) أي الْمُرَاد بالهداية البصيرة الكاملة فتغاير الهداية المتحققة
في الْمُؤْمنينَ فيصح تعليقها بالتَّقْوَى المفروض وجودها بعد الإيمان .
قوله: ( [تفرقون] بها بين الحق والباطل) فإطلاق الفرقان بالْمَعْنَى المصدري عَلَى
الهداية مع أنه صفة الفارق للمُبَالَغَة في سببيتها كأنها نفس الفرقان فهو مجاز عقلي .
قوله: (أو نصرًا يفرق [بين] المحق والمبطل بإعزاز الْمُؤْمنينَ وإذلال الْكَافرينَ)
فالفرقان بمعنى الفارق مجاز لغوي والظَّاهر أنه يضامن قبيل إسناد السبب ؛ إذ فاعل
الفرق هُوَ الله تعالى والنصر سبب له ؛ إذ الإعزاز والإذلال من أفعاله تَعَالَى، ولا يخفى أن
الفارق بين المحق والمبطل فارق بين الحق والباطل وبالعكس، فكلام الْمُصَنّف تفنن في
البيان فإنه تنشيط للأذهان إلا أن الحق والباطل عام للكفر والإيمان وغيرهما من الطاعة
والعصيان بخلاف الثاني .
قوله: (أو مخرجًا) مصدر ميمي أي خروجًا .