الأبلغية لما مَرَّ من أن النهي عن قرب الشيء يستلزم النهي عن ذلك الشيء، والكناية أبلغ من
التصريح. بقي الْكَلَام في أن النهي عن قربه لما كان مستلزمًا للنهي عن الوقوع والتجاوز فما
فَائدَة النهي عن التجاوز عنها؟ ولعل الفَائدَة التكرير للتأكيد والاعتناء بشأنه حيث نهى عنه
كناية مرة ونهى عنه صراحة .
قوله: (ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه) فـ [حِينَئِذٍ] لا يحتاج إلَى التأويل لكن
المحارم لم تسبق سوى قوله: (ولا تباشروهن) فإما أن النهي الْمَذْكُور
باعْتبَار تحققه في الأشخاص متعددًا والأوامر السابقة نهى عن أضدادها، أو الْمُرَاد محارمه
الْمَذْكُورة من أول السُّورَة إلَى هنا، والكل تكلف بعيد، ولعل لهذا أخَّره وزيفه حيث قال
ويجوز الخ. معنى أن النفي عن قربها مستقيم بلا تحمل .
قوله: (مثل ذلك التبيين) الإشَارَة إلَى التبيين السابق عَلَى ما اختاره المص في نظائره
واختار البعض كون الإشَارَة إلَى ما بعده، فالْمُرَاد التبيين اللاحق كما مَرَّ غير مرة، والْمُرَاد بالآيات
إما مطلق الآيات كما هُوَ الظَّاهر، أو الآيات الدَّالَّة عَلَى الأحكام لأنه يناسب لعلهم يتقون .
قوله: (مخالفة الأوامر والنواهي) يؤيد الأخير ولعل هنا بمعنى كي أي لكي [يتقوا]
وهذا الْقَوْل جملة معترضة بين المعاطفين فإن (ولا تأكلوا) عطف عَلَى (لا تباشروهن) وفَائدَة
الاعتراض التَّنْبيه عَلَى أن تلك الأحكام إنما شرعت لأن تتقوا فاجتهدوا في الامتثال حتى
تكُونُوا من زمرة المتقين، وإن لم يجعل عطفًا فلا اعتراض .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالْباطل وَتُدْلُوا بها إلَى الْحُكَّام لتَأْكُلُوا فَريقًا
منْ أَمْوال النَّاس بالْإثْم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)
قوله: (أي لا يأكل بعضكم مال بعض) أي أن هذا ليس من قبيل تقسيم الآحاد
على الآحاد كما في ركبوا دوابهم حتى يكون معناه لا يأكل واحد منكم مال نفسه بالباطل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
تلك الأحكام محدودات لها حدود فلا تقربوا حدودها، فإن أحكام الله [حدَّ] لكل حكم منها حدا إذا
اعتدى المكلف عنها وقع في الباطل فبولغ في ذلك ونهى عن قربان الحد فضلًا عن اعتدائه .
قوله: ويجوز أن يراد بحدود الله محارمه ومناهيه، فعلى هذا لا حاجة إلَى ارْتكَاب التَّجَوُّز
الْمَذْكُور وعلى ظَاهر هذا الوجه يرد سؤال عَلَى قوله (تلك حدود الله) وهو أنه
إذا كان الْمُرَاد بخدود الله المحارم والنواهي يلزم أن يشار بلفظ تلك إليها ولم يذكر فيما سبق إلا
نهي واحد، وهو قوله عز وجل (ولا تباشروهن) فما معنى جمع الحدود وأجيب
بأن الأوامر السابقة نواهٍ عن أضداد المأمور به .
قوله: ولا يأكل بعضكم مال بعض، لما دل ظَاهر الآية عَلَى النهي عن أكل إنسان مال نفسه